الآن
الرئيسية / رأي / اللاجئون ورقة النظام الرابحة

اللاجئون ورقة النظام الرابحة

عبد القادر عبد اللي

عندما أقيم أول مخيّم للاجئين السوريين
قرب الحدود التركية عدّ النظام السوري أن إقامة المخيّم ورقة من أجل الضغط عليه،
وصدق الإعلام “الثوري” هذه الكذبة، وتداولها كثيراً وكأنها ليست من
النظام، بل من ابتكاره.

من المفارقات الطريفة أن عبارة وليد المعلم
الشهيرة: “أقيم المخيم قبل أحداث جسر الشغور بأسبوع” باتت لدى
“الثوار” حقيقة لا يأتيها الباطل من يمين أو يسار.. علماً أنها عبارة
خبيثة لا يمكن أن يكون شخصٌ مثل وليد المعلم قد ابتكرها. يومئذ كانت أولى دفعة للاجئين
إلى تركيا من الساحل، وأُدخل اللاجئون مستودعات شركة حكومية تعادل لدينا
“إدارة حصر التبغ والتنباك” وقد صفيت الشركة، وبقي اللاجئون هناك حتى
أقيم المخيم.

وبالتالي أقيم أوّل مخيم بعد حوالي شهر
من أول دفعة من اللاجئين، وقبل أسبوع فعلاً من ثاني دفعة وهي دفعة جسر الشغور.
ولكن عبارة وليد المعلم دخلت أدبيات الثورة باعتبارها واحدة من أهم أيقوناتها.

اعتبر إعلام الولي الفقيه أن المُخّيمات
واللاجئين أداةٌ من أجل استجلاب تدخل عسكري خارجي، صدّق الثوريون إعلام الولي
الفقيه، وبدؤوا يروّجون للجوء، وشجّع النظام على اللجوء، وبدأ الناس يهربون إلى
دول الجوار، وأعطى النظام دفعة قوية لتشجيع هذا اللجوء إما بتسهيل الخروج وإصدار
جوازات السفر، أو بقصف المدن والقرى مما جعل الناس تهرب إلى البراري، ولكن وصل
الأمر إلى درجة لم تعد دول الجوار تستطيع استيعاب الكم الهائل من اللاجئين، وإذا
كانت تركيا أقل الدول تذمراً (بشكل رسمي) من اللاجئين السوريين، فقد بدأ الجميع
يشتكي، حتى الصحراء القاحلة وكأس الماء بات عبئاً على الدول المانحة.

مع تدفق اللاجئين إلى تركيا بدأ العمل
عبر الإعلام التركي من خلال صحافة “الرفيق الولي الفقيه” حول اللاجئين
على اتجاهين، الأول هو أن المواطن التركي أحق بالمبالغ الطائلة التي تنفقها الدولة
على هؤلاء اللاجئين، وبهذا حرّكت قسماً مهماً من الطبقتين الوسطى والفقيرة ضد
سياسة ما سمته الحكومة التركية “الباب المفتوح.

وهنا لابد من التذكير بالإشاعات التي روّج لها
ما يُسمى “الإعلام الثوري” عن الخدمات الجليلة التي تقدمها الحكومة
التركية للمواطنين السوريين، حتى إن إعلان تقديم منحة للطلاب الأجانب مستمرة منذ
سنين طويلة بات ينشرها إعلام الثورة على أنها خاصة بالسوريين، وإذا اتصلنا بوسيلة
الإعلام الثورية، وطلبنا منها عدم المبالغة، وشرحنا لها مضمون الإعلان، لا تعتبرنا
أعداء الثورة والثوار فقط، بل من أهم أسباب تأخر النصر.

وبما أن الإعلام الثوري صدّق هذه
الإشاعات، وروّجها، فما بالكم بالمواطن التركي؟ وهنا بالمناسبة، لا يسأل المواطن
التركي ماذا تقدم لكم الحكومة التركية، بل يسأل كم تدفع لكم بالشهر؟

الثاني، حملة منظمة تبنتها صحف
“الرفاق أحباب الله” هو أن هذه المخيمات هي مخيمات تدريب لإرهابيي
القاعدة التكفيريين، وبدأت تنشر أخبار من قبيل: “أصوات إطلاق النار
والتفجيرات المتصاعدة من المخيمات تُسمع من الطريق الفلاني القريب من المخيم
الفلاني”. ليس مهماً ما إذا كان هناك مخيم “فلاني” أم لا، فهناك
استعداد لتصديق الكذب، وخاصة أن هذه الأخبار كانت تنقلها بعض وكالات الأنباء
العالمية عن الصحف التركية.. وقد بلغ هذا الأمر من الجدية إلى درجة أن بعض نواب
حزب الشعب الجمهوري في تركيا قاموا بزيارات مفاجئة (مداهمات) بصحبة صحفيين إلى تلك
المخيمات، ولكن يبدو أن أولئك النواب من الدرجات الدنيا في السلم السياسي، وممن صدّق
كذبة “الرفيق الإمام العام”. سرعان ما اكتشف بأن تلك المخيمات لأسر
مسكينة غادرت بلدها لتأمن على حياتها، ولكن الإعلام يومئذ وجد الحل، وطالب الحكومة
بتحديد المواقع التي نقلت إليها الإرهابيين.

منذ أول تظاهرة في سوريا راهن النظام
“الأصح من يدير النظام” على الوقت. وفعلاً كان هذا الرهان صائباً،
فالوقت لم يعمل لمصلحة سوريا البلد، وكان دائماً لمصلحة الولي الفقيه وأدواته.

بالنسبة إلى الوقت، فقد استُغلَّ بتشكيل
كثير من “العصابات الإرهابية المسلحة”، و”جماعات التسول”،
و”عصابات التهريب المسلحة”، و”عصابات الإتجار بالبشر”… ولن
نتحدث عن الظواهر الشاذة الموجودة في كل المجتمعات ومنها المجتمع السوري والتي لا
تقبل الاندماج في المجتمع التركي، وتعيش على هواها…

أصبح المتسوّل في تركيا سورياً حتى وإن
كان تركياً، واللص سورياً حتى وإن كان تركياً، والمجرم سورياً حتى وإن كان تركياً.

أصبح السوري يعالج بالمجان وإن دفع نفقات
علاجه… أصبح السوري مذنباً وإن أثبت براءته… ألم ينتفض الناس لأن السوري كان
في بلده مذنباً وإن أثبت براءته؟

بعد أن ضاقت على السوري بلده بدأت تضيق
عليه البلدان المضيفة…

لم يربح النظام معركةً سياسية، ولا
معركة عسكرية، ربح معركة إعلامية، وهذه المعركة هي التي قضت على ما سُمِّي ذات يوم
“الثورة السورية”

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

five × one =