الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / القوة الخفية لتنظيم “داعش”

القوة الخفية لتنظيم “داعش”

طريف مندو

باتت
أخبار تحر
ُّكات الدولة الإسلامية في العراق والشام
(داعش) حديث المجالس منذ أسابيع عدة، ومدار التحليلات المختلفة في وسائل الإعلام،
كما تجلّى ذلك في “هاشتاغات”مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت، التي
غرقت بسيل من “البوستات والتغريدات”، تحمل أفكاراً وآراءً ومواقفَ عدةً.

ولم يكن هذا الزخم الإعلامي مدفوعًا بشيء بقدر
اندفاعه بالصدمة التي أحدثها تحوُّل فكرة (الخلافة) من فضاء الأفكار النظرية
البحتة، إلى أرض المشاريع الواقعية المنجزة، الخلافة التي لطالما دندن عنها وحولها
أتباع تيارات إسلامية عريضة، سلفيةٍ وغير سلفية، ولطالما نظّروا لها، وقعدوا لها
القواعد، وشرعوا لها التشريعات، وأطالوا وفصلوا في كيفية الوصول إليها وتحقيقها،
ورسموا آلية سيرها وعملها.. ها هي اليوم أصبحت حقيقة واقعة ماثلة أمام ناظرينا.

وهذا
ما يؤكد إذًا صحة التوجُّه الذي كان يسير به بعضُ المفكّرين والمجدّدينفي تفكيك
التراث الإسلامي الكبير، ودراسته دراسةً موضوعية بحتة، لكشف بشريته، ومحاولة الفصل
ما بينه (كمعطى تاريخي بشري عابر) وبين الوحي القرآني (باعتباره روحًا معصومة)، إذ
إن الأول لا يعدو أن يكون تجربة إنسانية محكومة بأبعاد الزمان والمكان، ومعطيات
الواقع والاجتماع، وفرضيات الاقتصاد والمعرفة، مما يعني عدم إلزاميتها أحدًا
غيرها، اللهم باستثناء الدراسة والاعتبار، بينما يشكّل الثاني (النصّ القراني) وحيًا
معرفيًا من الله، يحفظ القيم الإنسانية من التشوُّه والضَّياع.

أقول
إن التوجه الذي كان يسير به أولئك المجددون والمفكرون في تفكيك التراث الإسلامي
وتبيان مواضع قصوره وأماكن نجاحه (أي بشريته عمومًا) كان توجهًا سليمًا، إذ تبين
اليوم أن هذا التراث ليس حبيس الكتب المصفوفة على أرف المكتبات، وفي أروقة
الجامعات فحسب، بل يبدو أنه المغذي الحقيقي لمكوِّنات العقل الجمعي العربي حتى
اليوم، والذي ينتظر أن يقتنص لحظة تاريخية لمحاولة فرضه على الواقع كما تبين في
إعلان البغدادي إقامة خلافة إسلامية على مناطق واسعة من سوريا والعراق.

لقد
وضحت الأحداث المتسارعة خلال العام الماضي والتي توَّجت بإعلان البغدادي لخلافته،
الدور المحوري الذي يلعبه التراث في رسم الوقائع عندما يتاح له جوّ من الإمكانية
الحرة.

لذا
فإن توجه المعممين والمشايخ وسائر علماء المؤسسة الدينية التقليدية بتخطئة
البغدادي فحسب، وتبيان تهافت طرحه هو لا غير، لا يعدو أن يكون تناولًا للمرض، دون
جرأة على مقاربة أسباب المرض الحقيقي.

كيف
يمكن أن يُخطّأ البغدادي واقتناص الأخطاء “الشرعية” التي صدرت منه، وفي
الوقت ذاتهيتم إطالة المدح والثناء وتمجيد علماء آخرين، لا يشكّل البغدادي سوى
التجلّي العملي لهم!

هل
يمكن حقًا أن يتصدر عالم دين إحدى وسائل الإعلام منظرًا ومفندًا “لمزاعم
البغدادي الباطلة في إعلان الخلافة”، ثم يعود هو عينه إلى حلقته ودروسه
ليتحدث عن “العلامة الحافظ الكبير ابن حجر العسقلاني” مقدمًا إياه بوصفه
واحدًا من أهم علماء المسلمين، وأن شرحه
لكتاب البخاري من أهم كتب المكتبة الإسلامية، رغم أن الكتاب عينه يضم قول الحافظ
في الجزء السابع الصفحة
13 «وقد أجمع الفقهاء عَلَى وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه،
وأن طاعته خير من الخروج عليه لِما فِي ذَلِكَ من حقن الدماء وتسكين الدهماء»!

كيف
يمكن الجمع بين التبرئة من البغدادي وخلافته من جهة، والتبرُّك بأبي الحسن الأشعري
(على سبيل المثال لا غير) واعتباره من كبار علماء المسلمين، من جهة ثانية، وهو
القائل في كتابه (رسالة إلى أهل الثغر) صفحة
296،
متحدثًا عن “علماء المسلمين”: «وأجمعوا عَلَى السمع والطاعة لأئمة
المسلمين، وعلى أن كل من ولي شيئًا من أمورهم عن رضىً أو غلبة، وامتدت طاعته من
بَرٍّ وفاجر لا يلزم الخروج عليهم بالسيف جار أو عدل، وعلى أن يغزوا معهم العدو،
ويُحجَّ معهم البيت، وتدفع إليهم الصدقات إذا طلبوها، ويصلى خلفهم الجمع
والأعياد».

في
الحقيقة لم يبقَ صغيرٌ ولا كبيرٌ إلا ونال من البغدادي، بكل جرأة لسان، وحدّة قلم،
ورغم ذلك فإن البغدادي (وأمثاله) مستمرون بالتوسع والانتشار، مستمدين قوتهم
الحقيقية ومشروعيتهم من مكتبة إسلامية تحظى بتقديس الجميع، ولا سيما أولئك الذين
يقولون إنهم ضده!

لا
يمكن لهذه التناقضات أن تتعايش بعد اليوم؛ إذا كنا نرغب بإجراء مراجعات حقيقية
للفكر الإسلامي المتشكل عبر تراث طويل وضخم من التراكمات، علاوة على ذلك لا بد من
جرأة علمية موضوعية، قادرة على تجاوز عقلية التقديس والتبجيل التي نتعامل وفقها مع
تاريخنا وتراثنا، وعندها سنكون أمام فرصة تاريخية تكشف قيمة بعض المراجعات التي
تمت في السنوات الأخيرة من مفكرين ومجدّدين بقيت أطروحاتهم مهملة وحبيسة الكتب، أو
متهمة بالإساءة للدين والنيل منه، وهكذا تنطلق حركة واسعة من التفكير النقدي
الحرّ، لنصل إلى فكر جديد قادر على تجاوز التحديات وتحقيق المطامح.

شاهد أيضاً

أردوغان يحذّر بوتين من الهجوم على إدلب

    حذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من السماح للنظام …

استئناف “مفاوضات درعا” بوساطة أردنية

أعلن المعارضة السورية المسلّحة، المُقاتلة في محافظة درعا جنوب البلاد، عن استئناف المفاوضات اليوم الأحد، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

nineteen + eleven =