الآن
الرئيسية / تحقيقات / الخدمة الإلزامية في سوريا.. بين الوصف بـ “خيانة الوطن” أو عيش كابوس الموت

الخدمة الإلزامية في سوريا.. بين الوصف بـ “خيانة الوطن” أو عيش كابوس الموت

نسرين أنابلي

إنها السنة
الرابعة من عمر الثورة، ومازالت الأمور تسير باتجاه الأسوأ، وفي ظل هذه الظروف يمرُّ
الشباب السوري من حالات الضياع والتشتت، ومهما كانت آثار الأزمة السورية
وانعكاساتها السلبية بادية بوضوح في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية
والثقافية، إلا أن الأزمة أرخت بظلالها، وبشكل عميق على وضع الشباب السوري، فبالإضافة
لما يعانيه الشباب من البطالة الكبيرة التي عصفت بقوة باليد العاملة الشابة، وجعلت
الكثيرين عاطلين عن العمل ويفكّرون بالهجرة والهروب، لأسباب تتعلق بصعوبة العيش وسط جنون الأسعار وانعدام فرص
التشغيل، ولأسباب أخرى تعود لعزوف الشباب عن الالتحاق بخدمة العلم وكذلك الالتحاق
بجيش النظام كجنود احتياط لمن أدّوا الخدمة الإلزامية.

لا نُريد أن
نقتل أو نُقتل

بات الالتحاق
بخدمة العلم كابوساً لكل شاب سوري مهما كانت انتماءاته السياسية أو غيرها. فالمسألة
لم تعد مسألة شعارات تتعلق بقدسية الوطن وحمايته، بل أصبحت في منظورهم عملية إقحام
لهم في معركة لا نهاية لها، وربما تودي بحياتهم سواء من النظام أو من كتائب
المعارضة المسلحة.

محمد (26 سنة) شاب
من دمشق، أنهى دراسته في قسم اللغة العربية بكلية الآداب، جامعة دمشق مع بدء
الثورة في سوريا. قضى محمد مدة وهو متردّد بالالتحاق بجيش النظام نظراً لما يقوم
به من أعمال وحشية بحق المتظاهرين المدنيين. لكنه حسم أمره، وقرَّرَ الهرب إلى
بيروت، وخلال حديثنا معه يقول محمد: “حصلت على شهادتين من أجل تأخير خدمة
العلم، إحداها من المعهد الزراعي، والثانية، بعد دراسة الثانوية العامة من جديد،
شهادة جامعية في الآداب”.

ومع بداية
الثورة، يضيف محمد، “كنت مطلوباً للالتحاق بالجيش، وعشت أسابيع عدة وأنا مختفٍ
عن الأنظار إلى أن قررت الذهاب إلى بيروت، ومن هناك قد أجد وسيلة أخرى للهجرة
لإحدى الدول الغربية”.

يتابع محمد
قائلاً: “قرار فراري من الخدمة العسكرية كان موجوداً قبل اندلاع الثورة، ولكن
ممارسات النظام بحق المدنيين عززت هذا القرار، بالإضافة الى أن مصيري سيكون الموت
بكل الأحوال سواء من هذا الجانب أو ذاك”.

تتشابه قصة
محمد وظروفه مع ظروف إسماعيل (20سنة) من مدينة حلب والذي كان يحلم بالسفر والغد
الأفضل. يقول إسماعيل: “كنت أنوي السفر والبحث عن عمل ومستقبل أفضل في الخارج،
ومن ثم أقوم بدفع بدل الخدمة العسكرية. ومع اشتعال فتيل الثورة ووصوله إلى حلب بات
الأمر ملحاً أكثر، فإن قاتلت في صفوف النظام سأكون خائناً لأبناء بلدي، وإن فكرت
بالانشقاق سيكون الموت بانتظاري، فالقضية لم تعد تتعلق بمرحلة من عمري لا أريد
خسارتها بشيء غير مفيد، وأحلام وطموحات كنت أرغب بتحقيقها؛ المسألة الآن هي مسألة
ضمير ووجدان إنساني، لا يمكنني أن أكون عصا الجلاد، وحياتي أثمن من أضحّي بها من
أجل شخص أياً كان هذا الشخص”.

وليست ظاهرة
الهروب من الخدمة الإلزامية بجديدة، فقد كان الشباب يتجنّبون الخدمة بالسفر إلى
الخارج أو بذريعة الدراسة، لكن هذه الظاهرة تفشّت كثيراً في الظروف الحالية، إذ زاد
عدد الفارين من الخدمة كثيراً خلال الأشهر الأخيرة الماضية. فمن لا يستطيع الهرب خارج
البلاد والانضمام لمخيّمات اللاجئين، يتوارى في مناطق الجيش الحر، حيث يتجنّبون
نقاط التفتيش.

تقول السيدة
(أم رأفت) من مدينة دمشق:”اقتيد ابني للاحتياط قبل أن يتمكن من الهرب، ولم أرَ
ولدي منذ أكثر من عام ونصف العام، وأخشى على حياته كثيراً، وكذلك على مصير طفليه
الصغيرين إذا حصل له شيء. لا أملك حالياً إلا الدعاء له بالسلامة والعودة”.

التهرب من “واجب
خدمة الوطن”

تشير تقارير إلى
كثرة الشباب المتخلّفين عن الخدمة الإلزامية في محافظتي طرطوس واللاذقية، حيث معقل
النظام. وبحسب أحد الموظفين في إدارة تجنيد طرطوس، هناك أكثر من 5000 شاب متخلفين
عن الخدمة العسكرية في المدينة،
ويرجح هذا الموظف أن يكون تزايد أعداد قتلى قوات النظام،
إن كان ضمن الجيش أو الجهات الأمنية الأخرى التي تعمل معه، وراء ارتفاع المتخلفين
عن الالتحاق بالتجنيد الإلزامي.

إياس (23 سنة)
من مدينة طرطوس، فقَدَ ساقَهُ خلال معارك خاضها ضمن صفوف النظام، يعبّر عن أسفه
للحال التي وصل إليها قائلاً: “لم يكن يُخيَّل لي أبداً أن أقضي بقية حياتي
بساق واحدة، وأن أرتمي على كرسي متحرك بسبب معارك لا أعرف من هو المستفيد منها. وأي
تعويض سيمنحوني إياه لن يعوضني عن جزء فقدته من جسدي”. يصمت إياس ثم يضيف
قائلاً: “أنا واحد من مئات الشبان الذين تعرّضوا لحوادث مشابهة أو فقدوا
حياتهم دون أن يلتفت إليهم أو لأسرهم أحد من النظام ومؤسساته المختلفة”.

(وائل) من قرية
بسنادا في محافظة اللاذقية، التحق بالجيش منذ عدة أشهر بعد أن طلب للاحتياطي، وهو
الآن يخدم في حلب. تقول زوجته: “رغم أن زوجي يخدم في منطقة هادئة نسبياً في
حلب، إلا أنني دائمة الخوف على حياته، وحالما يستطيع زيارتنا فلن أسمح له بالعودة
أبداً مهما كانت النتائج”.

وائل، ليس
الوحيد الذي طلب للاحتياطي، بل هو وشقيقه يخدمان في جيش النظام. وبحسب زوجة وائل فإنه
وشقيقه كانا رافضَيْن للذهاب للخدمة، لولا الضغط الذي مارسه عليهما أبوهما الذي
يعتبر “الفرار من الجيش خيانة للوطن”.

في قرية حمين
الطرطوسية، يتحدث (باسم) عن رؤيته لدورية تابعة للشرطة العسكرية، جاءت لسوق أحد
شباب الحي المطلوب للاحتياط، ورغم محاولة الشاب الهرب لكنه لم يفلح، فكان أن عاد
إلى أهله بعد أربعة أشهر جثة هامدة!

ينقل لنا باسم
عن والدة هذا الشاب قولها: “أكثر ما آلمني موته برصاص أناس سوريين، وليسوا
أعداء”.

وكان مركز
توثيق الانتهاكات في سوريا قد أعلن أن عدد قتلى قوات النظام في مدينة طرطوس
الساحلية، بلغ 2324 قتيلاً منذ بداية عام 2014 ، في حين أن أعدادهم في مدينة
اللاذقية قد تتجاوز 1900 قتيل.

شاهد أيضاً

“القانون 10” نسخة لسرقة إسرائيل أملاك الفلسطينيين

ما تزال أصداء “القانون” الذي أصدره نظام الأسد تحت مسمى “المرسوم التشريعي رقم 10 لعام …

الطفل حسن دياب - انترنت

مجزرة الكيماوي: روسيا تكذب في لاهاي وتحتجز “الشهود” في دمشق

وفق ما جرت العادة في أروقة المجتمع الدولي خفت الصوت المنادي بعقاب المجرم بشار الأسد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 − 6 =