الآن
الرئيسية / رأي / التمدُّد الزائد… كالناقص

التمدُّد الزائد… كالناقص

عبد القار عبد اللي

كثيرون يتحدّثون عن بيع وشراء في القضية
السورية بعد ما سُمِّي “تمدد داعش”، وعن استعداد كثير من “العصابات
الإرهابية المسلحة” لمبايعة الخليفة أمير المؤمنين المدعو بالاسم المستعار
“أبو بكر البغدادي” وخاصة بعد طلته البهية، ويشكل اللحن الجنائزي لما
كان يسمى “الثورة السورية”، خلفية هذه الأحداث.

اسم داعش مُدرَجٌ على قوائم الإرهاب
العالمية والتركية، والأمر لا يتوقف عند هذا فقط، فقد اعتادت السلطات التركية أن
تغلق المعابر مع سوريا عندما تقع بيد داعش.

ولعل اختطاف المواطنين الأتراك من
سائقين وعمال وموظفين ودبلوماسيين وأطفالهم في مدينة البصرة على يد داعش وضعت
السلطات التركية في موقف أشد حرجاً، وحتى إطلاق سراح السائقين تم بفدية باهظة
جداً، ولعلها واحدة من أبهظ الفديات التي عرفت في التاريخ المعاصر، فقد وُضِعَتِ
اليدُ على شاحناتهم بأحمالها لمصلحة بيت مال أمير المؤمنين علماً أنه لا يوجد نص
يبيح نهب الناس وسلبهم مصادر أرزاقهم –مهما كان انتماؤهم العقائدي- إلا في النصوص
الديكتاتورية العابرة للأديان والمذاهب.

بالمناسبة، هناك رهينة عمرها ثمانية أشهر يوم
اختطافها، وها هي تكاد تدخل شهرها التاسع أسيرة تدعى “إلا” ولا نعرف ما
إذا كانت ستعدُّ سبيّة.

* * *

صرح بولند أرينتش نائب رئيس حزب العدالة
والتنمية، والملقب بشيخ الحزب، ورئيس الحكومة القادم المحتمل خليفة لأرضوغان بأن
“هؤلاء الذين يعملون باسم الإسلام لا علاقة لهم بالإسلام” وطمأن الناس بأن
التقارير المخابراتية تقول ليس هناك قاعدة لهذه التنظيمات في تركيا. وإذا كان
أرينتش قد رفض ذكر اسم داعش المقصودة في كلمته في الإفطار الرمضاني، فقد صرح بشكل
لا لبس فيه أنهم “أدعياء الخلافة”…

* * *

الملاحظ أن “عصابات التهريب
المسلحة” وبالتزامن مع التمدد الذي أعلنته دولة الخلافة قد توقف نشاطها
البترولي على الحدود التركية، وتمددت قائمته لتشمل بضائع من كل الأصناف بما في ذلك
المواد الغذائية التي يعتبر الدين أن تهريبها من أكبر الكبائر في الحروب والأزمات
وصولاً إلى الحشيش والمخدرات بكميات تجارية كبرى (طبعاً مازالت المشروبات الكحولية
خارج القائمة لسبب أنا أجهله)، ولكن اللافت أيضاً أن الاشتباكات بين الجيش التركي
وهذه العصابات تزايدت بنسبة كبيرة في الفترة نفسها.

من جهة أخرى انخفضت عمليات ضبط البترول على
الحدود التركية السورية، مما يعني أن الخلافة وضعت يدها على النفط، وعادت إدارة
النفط إلى الأيدي الأمينة في التمدد الأخير، وهي الأيدي التي كانت تمسك به نفسها،
فهو لم ينقطع يوماً من التدفق إلى مصفاتي حمص وبانياس…

* * *

التمدُّد الأخير أراح “العصابات
المجاهدة المسلحة” في الطرف الآخر، فحققت انتصاراتٍ كبرى تستخدمها في حرب
نفسية مدروسة يمليها أسياد (الأصح سيّاد فالقضية ذات غلاف عقائدي لا لغوي) هذه
العصابات، وأصبحت تتصاعد الألحان الجنائزية من أي حديث بين سوريين، وكأنَّ التمدُّدَ
سيقضي على المناطق المدمرة (المحررة سابقاً)…

* * *

التمدد ظاهرة فيزيائية، والقوانين
الفيزيائية تقول إذا زاد التمدد عن حدِّه فهو يفقد المادة خصوصيتها، وأنا أؤمن
بالعلم. ليس بالعلم فقط، بل بالفن أيضاً، للتمدُّد حدود، فعند رسم كاريكاتير
لشخصية يجب أن يكون تمديد الأعضاء بدرجة معقولة، وإذا زاد عن حده يفقد خصوصيته
أيضاً، واعتماداً على العلم والفن أودُّ أن أطمئنَ اليائسين ونفسي بأن التمدد لن
يزيد كثيراً ليصل إلى التماس مع النظام، وإدارة الخلافة أذكى من أن تنتحر، فإذا
وصلت إلى نقط التماس مع النظام فهذا سينهي دورها، ومحرك الدمى الكبير الذي يحرك اللاعبين
جميعاً لا يسمح بأن تصل اللعبة إلى طريق مسدود، وفي حال وصلت بأمر غير إرادي، لابد
وأن يبتكر مخرجاً ما يجعله يستمر باللعبة، هذا الابتكار على طريقة عودة أبي عصام
إلى مسلسل باب الحارة الذي لم أر منه أي حلقة، وأعطاني بعض خطوطه بعض الأحباب
جزاهم الله خيراً…

نعم، التمدُّد حصل، وبدأ الجميع يبكي من
هذا التمدد… ولكن ماذا بعد؟ ما زال لدى إيران عقداء طيّارون يجب أن يُقتلوا، ومليارات
الدولارات يجب أن تُنفق، ومازال في المنطقة بيوتٌ ومدنٌ يجب أن تُدمَّر، وهناك شركات
يجب أن تصير “أفحش” غنى.

اللعبة ليست بهذه البساطة، وإذا ما زاد التمدُّد
ستخرب اللعبة، والأولاد المشاغبون فقط من يخرّبون اللعبة، لا محرّكو هذه اللعبة.

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × one =