الآن
الرئيسية / تحقيقات / التسوّل في سورية.. أكبر من ظاهرة وأبعد من مأساة

التسوّل في سورية.. أكبر من ظاهرة وأبعد من مأساة

ناصر عليدمشق

في الشوارع العامة والفرعية تنام نسوة مع أطفالهن، يبحثن في
ليل دمشق، الذي لم ينل الدفء بعد، عن ملاذ بجوار حائط، أو قرب جدار مدرسة، أو في
زاوية معتمة ريثما يطل الصباح بشمسه الدافئة.

لم تكن دمشق، قبل ثلاث سنوات، تعرف هذه الأعداد الكبيرة من
المتسولين، بل كان من النادر أن تجد امرأة متسولة في ليلها. اليوم وبعد شلالات
الدم، والهروب من البيوت التي انهارت فوق رؤوس ساكنيها، أصبح التسول في شوارع
العاصمة، ليس ظاهرة فحسب، بل كارثة تعكس انهيار منظومة الأسرة، وسقوط القيم
الاجتماعية!.

وزارة الشؤون الاجتماعية.. نائمة!

لم تعد وزارة الشؤون الاجتماعية التابعة للنظام، والتي كانت
معنية مباشرة بهذه الظاهرة وغيرها، تعنى بالتسول ومكافحته، بل باتت تلتفت الآن إلى
شؤون الإغاثة، حيث تستطيع الحصول على المساعدات الإغاثية من جهات خارجية وداخلية
بشكل أكبر، ويعمد مسؤولوا الوزارة إلى التدخل شخصيا في الكثير من هذه الأمور، من
أجل الحصول على عمولات كبيرة، بالإضافة إلى تسهيل حصول المحتاجين على الوجبات
والسلل الغذائية. حتى تقارير الوزارة السنوية، على أقل تقدير، لم تعد ترصد هذه الحالات،
وتقييمها والبحث عن حلول لآلاف الأسر المتضررة، ولنساء وأطفال باتوا يملؤون شوارع
العاصمة.

لقد تفاقمت مشكلة التسول في شوارع العاصمة إلى درجة مخيفة،
إذ بتنا نرى العديد من النساء مع أطفالهن، في أي مكان يتسولون جميعا كعائلة،
ومأواهم الشوارع نفسها أيضا، أي أننا أمام حالات جديدة على ظاهرة، أو
“مهنة” كانت منبوذة، وأصبحت أمرا واقعا، وربما مقبولاً فرضته ظروف
الحرب.

عند (جسر الرئيس) وسط دمسق، أم مع طفليها التوأمين، فيما
يبدو، لا تتحرك من مكانها، وفي فم كل منهما زجاجة حليب وسخة، بينما الأم تمد يدها
للمارة لكسب بعض النقود، علّها تشتري بها ما يسد رمقها ورمق طفليها.

التسول بين الامتهان والحاجة

تحت جسر فكتوريا في وسط دمشق أيضاً، تفترش نسوة الأرض، حيث
أدمنت التسول والبكاء، لكنك لا تستطيع أن تميز بين حاجتهن للمساعدة أو امتهانهن
للتسول. وبين هؤلاء النسوة، الكثيرات من أصول (النّوَر)، اللواتي استغلين الأزمة
وبدأن يمثلن دور المهجرات والمحتاجات، أو اللواتي تعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي.

وبينما يختلط على الكثيرين صعوبة التمييز بين الحاجة
الحقيقية وامتهان التسول، لكن أبناء المدينة العريقة يرون أن هؤلاء النسوة
بالنتيجة نساء سوريات ويجب التعاطف معهن ومساعدتهن قدر الإمكان.

مرضى وكبار سن.. وأطفال

امرأة مسنة تجلس منذ الصباح الباكر على قارعة طريق، تدعو
للمارة بالرزق والحياة والنجاة من كل سوء، في مقابل طلبها ليرات قليلة، تسدد بها،
كما تقول، إيجار غرفتها.. رجل عجوز يشمّر عن ساقه المبتورة ويضع أمامه تقريراً
طبياً مختوماً من جهات رسمية يؤكد حالته، وبصمت العاجز يمد يداً مرتجفة.. أولاد
يجولون في قلب المدينة وشوارعها يتسولون الطعام، وأحياناً بعض ما يرغبون وما
يتمنون، فيقفون أمام محلات بيع الحلوى أو البوظة، وبعضهم يسرق فيُطارد ويُضرب!

هذه هي المشاهد التي تراها اليوم في أي منطقة كانت بدمشق.
إنها وجه قبيح آخر أيضاً لما يجري من مآسٍ يعيشها السوريون.

لكن ظروف التهجير والنزوح تلك، خلقت كذلك متسولين من نوع
جديد، أغلبهم من سكان المناطق الآمنة، والذين يلجؤون إلى التسول مستغلين الظروف
الصعبة لسكان المناطق الساخنة، فيتسولون باسمهم. فلا تستغرب إذا ما بكت امرأة وهي
تمد يدها وتقول لك، أنها (حمصية)، أو من غوطة دمشق، على اعتبار أن المنطقتين من
أكثر المناطق السورية تضرراً!

أساليب وتعابير جديدة للتسول

وتختلف “أدعية” المتسولين للمارة، حتى عاهاتهم
أصبحت مواكبة للمرحلة، فتسمع، في طريق جانبي، على سبيل المثال، دعاءاً جديداً من
قبيل: (الله لا يهجّركن.. الله لا يهدم بيوتكم.. أو الله يشفي جرحاكم.. الله يعيد
المفقودين.. الله لا يفجعكم بهاون)!

أما الأشكال الجديدة للمتسولين، فلم تعد فقط في تلك الثياب
الممزقة والوسخة، أو الروائح النتة التي قد تفوح من المتسولين، بل بات ممكناً أن
ترى عائلات بكامل أفرادها تفترش الطريق، أو زوج وزوجته الشابة يوقفانك على الرصيف
ويطلبان منك “حسنة سلامتك من الموت”!

تعاطف…وخشية

المواطن السوري بطبعه، ميال إلى الرأفة، ومعظم السوريين
يمدون يد المساعدة إن تيسر لهم ذلك، لكن من آراء البعض، تجد أنهم باتوا يشعرون
بالحنق والضيق، نتيجة امتهان الكثيرين للتسول عوض البحث عن عمل، بينما يرى آخرون
أن جزءاً كبير ممن يلجؤون للتسول هم من أماكن متضررة، وبالتالي فهم مضطرون لذلك.

يقول (أبو ياسر)، وهو مهندس ديكور: “نحن لا نبخل
بتقديم المساعدة لأبناء بلدنا، ولكن أن نشعر بالاستغلال، فذاك أمر يجعل الكثيرين
يعزفون عن تقديمها، حتى يتأكدون من حاجة المتسولين فعلاً، لكن المشكلة أن غالبية
هؤلاء هم من النساء والأطفال.

مراد، من سكان حي المزة، يقول لـ “العربي
الجديد”: “هنا في هذه المنطقة من العاصمة، والمحسوبة على أصحاب الدخل
المرتفع، لم نكن نشعر بهؤلاء قبل الأزمة التي جعلت الكثيرين يتمددون داخل كل أحياء
المدينة، لكن معظمهم مخادعون، يدعون الحاجة ويدعون أنهم مهجرّون”.

يقول صاحب أحد المحال التجارية في منطقة الجسر الأبيض: إن
“الشحاذين صاروا أكثر من الزبائن، وصار الزبون يخشى الدخول إلى السوق بسبب
حوادث النشل والسرقة”.

في الأسباب..

التسول كظاهرة موجودة سابقا، لكنها اجتاحت المجتمع السوري
قبل الأزمة بسنوات قليلة، ولاسيما عندما انتقل أكثر من
800 ألف مواطن من بيوتهم وأراضيهم الزراعية في مناطق الشمال السوري،
(الجزيرة والقامشلي ودير الزور)، إلى مناطق ومحافظات أخرى، والسبب كان الجفاف الذي
ضرب تلك المناطق، بينما منعتهم حكومة الأسد من ري مزروعاتهم بذريعة تدني المنسوب
المائي.

ولم يجد بعض هؤلاء بديلاً، سوى العمل في مزارع الغوطة
الشرقية والقنيطرة ودرعا، لكن جزءاً كبيراً منهم لجأ إلى العاصمة وامتهن التسول
طلبا للعيش، وكانت هذه مقدمات طبيعية لولادة ظواهر كبيرة في دمشق وريفها، وبداية
لتغيير، وربما تخريب، الواقع الديموغرافي لسكان سورية.

شاهد أيضاً

نازحون في مدينة الضمير - صدى الشام

النظام يجبر نازحي الغوطة على العودة دون أدنى مقومات للحياة

صدحت مآذن المساجد في مدينة الضمير بمنطقة القلمون في ريف دمشق الشمالي الشرقي بنداء يطالب …

“الاتحاد الديمقراطي” من تشويه “القضية الكردية” إلى حضن النظام

لم تقف واشنطن مع حليفها “وحدات حماية الشعب الكردي” الجناح العسكري لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

one + 17 =