الآن
الرئيسية / ثقافة / البث من مستنقع العسل.. رمضان على التلفزيون السوري والمواطن ضحية..

البث من مستنقع العسل.. رمضان على التلفزيون السوري والمواطن ضحية..

سما
الرحبي

بات
الحديث عن التلفزيون الحكومي السوري مكرراً وباهتاً، لكنه كل مرة يفاجئنا بكَمِّ
البلادة
التي يعرضها، ويبقى صامداً غارقاً في مستنقع “العسل” الذي أسّسه لنفسه،
وكأنه في حقبة تاريخية منبوشة من الكتب العتيقة، منفصل وخارج السياق، أو أن الزمن
توقف عنده في حقبة الثمانينيات.

وفي رمضان كان للمشاهد السوري نصيبٌ من دورة برامجية
“جديدة”، لم تحمل أي قيمة تذكر، فاختزلت بتخمة مسلسلات كانت الأولوية في
عرضها لمن هم من مناصري الأسد في حربه ضد شعبه، مع سهرة رمضانية بائسة وبعض
المقبلات!.

على الفضائية السورية يقدّم بعد الإفطار بساعات برنامج منوع! يحمل عنوان
“حلوة ياشام” ندوة تلفزيونية..، ديكور فقير الذوق والمعدات، إضاءة باهتة
..، وإخراج دون المستوى، يبث من حديقة مبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون التي
تتمركز في ساحة الأمويين، قلب العاصمة دمشق.

 

لقطات
الكاميرا الخارجية تبين أن الساحة خالية إلا من سيارة أو اثنتين قد تكون دوريات
أمن!، وذلك ليدل على الحياة التي لم تتوقف بفعل الحرب في دمشق كما يهللون لها.

يقدم هذا البرنامج “الخطير” مذيعات ثابتات مخضرمات حاضرات في ذهن الطفل
السوري الذي صار شاباً اليوم، لا طلّة ولا حضور أو ثقافة، بمحتوى إعلامي فارغ
تملؤه حوارات يومية لا طعم لها أو لون، مع غياب توزيع الأسئلة أو إدارة متوازنة
للحوار بين الضيوف..، فتأتي الحلقات معنونة بالثرثرة والضحك الخالي من النكتة
لمجرد الحشو، تتخلل ذلك تقارير معدة على عجل حول المسلسلات وعادات السوريون في
الشهر الكريم.

 

في
الانتقال إلى الضيوف ..، النقطة التي من الممكن اللعب عليها لتلافي الإخفاقات
السابقة، من رداءة الديكور والإخراج وخشبية التعاطي.

الضيوف مجموعة
كومبارس ممن لم تتح لهم الفرصة للسفر، فيتذرعون بالبقاء “صموداً ومقاومة”،
حالهم حال لسان حكومتهم. ممثلون درجة عاشرة أو فنانات طوى الزمان عليهن صفحته، بعض
المواهب التي لم تجد لها مكاناً إلا تلفزيون “الأسرة” لعرضها، ومجموعة
شعراء لم نسمع بهم إلا أنهم جديرون بأن يزينوا الفضائية، فيبدأ حديثهم بقصائد
تمجيد وتعظيم لحامي الحمى..بعد هرب النجوم من المدينة وتصدرهم الفضائيات العربية.
وطبعاً مع فرقة “النجوم” الموسيقية، بقيادة هادي بقدونس وكمانه الذهبي،
الذي لم يغب عن الشاشة في أي مناسبة وطنية أو فنية منذ 30 عاماً ، باقون صامدون
مهترئون أبداً حتى باتوا جزءاً لا يتجزأ من الديكور.أما المواطن السوري فعبثاً
يصرخ “لقد هرمنا” في انتظار تغير هذه الفرقة وبرامج التلفزيون.

يدّعي أنه برنامج.

أمافي
القناة الأخرى سما، “بديلة الدنيا” حيث البرامج وريبورتاجات الأخبار نفسها.
وعند منتصف الليل تحديداً يقدم شيء ما تدعي المحطة أنه برنامج وتسميه “نورت
سمانا”،يقدمه الفنان والمقدم السوري صاحب “الفن الراقي” حسام جنيد،
وزوجته أمارات رزق في محاولة لإعادة إحياء الثنائيات “المعوقة”، مع ضيف
واحد .

هذا البرنامج
برعاية “سيريتل” فارغ المحتوى والأسلوب وتغيب أدنى شروط المقدم الناجح
عنهما بدءاً من مضمون الأسئلة إلى أسلوب الحوار وتصاعده، ضيف الحلقة الأولى كان
أيمن رضا، ونلاحظ تكرار الأسئلة المتداولة له في كل لقاءاته منذ 20 سنة، وهو ماعلق
عليه حتى. طبعاً تتخلل البرنامج فواصل غنائية ساحلية دون المستوى من أداء المقدم،
حرص التلفزيون السوري على تكريسها هوية وبصمة وعنواناً للفن السوري.

أما جوائز برامج المسابقات “المبدعة” من طرابيش تخفي أسئلة تحتها، أصبحت
على قدر أحلام المواطن من استئجار سيارة سياحية لمدة يومين، أو قضاء آخرين في أحد
المنتجعات الموزعة على أطراف المدينة.

 

يخرج
التلفزيون الحكومي السوري من حفرة ليسارع، ويبحث عن أخرى ليجلس فيها، مستمتعاً
بوحله، فشل احترافي لم تسبقه إليه شاشة أخرى، حتى بات ظهور الإعلاميين الجدد حديثي
التخرج على فضائياته بصمة عار في سيرهم الذاتية..، مجرد بالونة إعلامية مملوءة
بالحروف المعلوكة تنفجر كل حين بوجه متلقيها.

التلفزيون
السوري يغرق أكثر وأكثر ..، لا يتغير رغم كل التغيرات التي طرأت على البلاد، إنما
يزداد فشلاً وتلويثاً لفكر مشاهديه. ولربما من حسن حظ المواطن السوري أن الكهرباء
لا تأتي في دمشق إلا تناوباً 3 ساعات بـ 3 فيرتاح من “المتعة” التي يقدّمها
التلفزيون السوري، وينعم في العتمة.

 

شاهد أيضاً

وضوء الدم!

ركعتان في العشق لا يكون وضوءهما إلا بالدم، تلك إحدى تجليات صوفي خلع الخرقة وترجل …

الموسيقى العربية من العصر الجاهلي إلى التكنو الحديث في باريس

يجول معرض في باريس على تاريخ الموسيقى العربية في عهودها المختلفة، من الحداء في الجاهلية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × five =