الآن
الرئيسية / رأي / أهلاً بكم… غداً نلتقي

أهلاً بكم… غداً نلتقي

ثائر الزعزوع

افتحِ التلفزيون، تمهّل قبل ذلك عليك أن تكون مستعداً لكل ما
ستشاهده، فأنت كالداخل أرض الأحلام، هنا في هذا الصندوق الصغير ستجد عالماً
مختلفاً تماماً عما تعيشه في الواقع، هل أنت مستعد؟ دعنا نبدأ الرحلة، أنت الآن في
شهر رمضان، وهنا عليك أن تتذكر أنه شهر “الشو” أو الفرجة، شهر كل ما لذ
وطاب، لا من أصناف المأكولات فقط، بل من المسلسلات وبرامج المنوعات، والبرامج
الترفيهية، أضف إلى ذلك كله كأس العالم، ثم تأتي في الأخير، دولة صغيرة جداً تبلغ
مساحتها مئة وخمسة وثمانون ألف كم 2 وبضع مئات من الأمتار، بعضها تجثم إسرائيل على
صدره مطمئنة آمنة منذ أكثر من أربعين سنة، وبعضها الآخر يشتعل بالنيران. هنا سوريا
أرض المعجزات، حصاد رمضان الدرامي عامر ما شاء الله، وزاخر بالمفاجآت، من إحياء الشهيد
الفقيد أبو عصام إلى الابتكارات المدهشة في التمثيل والإخراج، إلى “الجرأة
اللامعقولة في ملامسة القضايا الحساسة التي يتعرض لها وطننا الحبيب” العبارة
بين قوسين مأخوذة حرفياً من إحدى مقدمات البرامج التلفزيونية التي تتحدث عن
الدراما السورية خلال شهر رمضان، والجرأة اللامعقولة التي يتحدث عنها صانعو
البرنامج تتمثل في إمكانية شتم الجميع دون استثناء، لا مهلاً، هناك لا استثناء
واحد، ولكن استثناءات ولكنها جميعاً تمثل سقف الوطن، ويمكن أن يعني الاقتراب منها
أو مسها ولو بريشة طائر خيانة ما بعدها خيانة، وقد يدفع صاحبها سنوات من حياته
قابعاً في حفرة ضيقة لا يستطيع مهما أوتي من خيال أن يصفها ولا حتى أن يعبر عنها،
وبما أن رمضان شهر الخير والمغفرة أيضاً فلا مانع من أن يستكمل هذا الخليط
الفانتازي ببعض البرامج الدينية التي تدعو المسلمين لتمثل قيم الإسلام الموجودة
حصرياً في سوريا، طبعاً بعد أن أسقط إعلام النظام وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية
صفة الإسلام عن أي شخص يطالب ولو سراً بإسقاط النظام، فمثل هذا الطلب هو ردة،
وعقوبة المرتد معروفة، فرأس النظام هو سقف الوطن وهو سيد الوطن وهو يمثل وفقاً
لعلمائه الأفاضل الذين ينتظرون على أحر من الجمر دعوة الإفطار الرمضانية التي ينعم
بها عليهم كل عام ليجلسوا في حضرته ويتباركوا به، هو يمثل والي العباد، وهو ملهمهم
الذي ينهلون من معين حكمته الذي لا ينضب ويجلسون يهزون رؤوسهم بإعجاب شديد لكل
كلمة يقولها، حتى وإن قال إنه يريد أن يشرب الماء، المهم مالنا ومال العلماء،
المهم أن موجة رمضان التي تذهب العقل لمقدار السخف الذي يتعرض له طيلة الأيام
الثلاثين، مثلت فرصة لإعلام النظام للذهاب بالناس بعيداً عما يحدث في سوريا،
بعيداً جداً أيضاَ، فلم يعد مهماً عداد الموت الذي لا يتوقف لحظة واحدة ولم يعد
أيضاً حجم الخراب ولا حجم الدمار، فالمجمعات الاستهلاكية تضج بالسلع من كل ما لذّ
وطاب، ولا تتوقف سلسلة التلفزيونات الحكومية عن عرض تلك الأطايب كي يرى السوريون
ما استطاع النظام تأمينه لهم خلال شهر الصوم، تجوب الكاميرا، وتعرض الأسعار، ويهز
المسؤول رأسه مطمئناً كل شيء متوفر وبأسعار تفوق الخيال، حقاً تفوق الخيال، فلا
يستطيع مواطن سوري عادي أن يجهز وجبة إفطار رمضانية بسيطةً مهما طبّلوا وزمّروا
لهذه الأسعار، فالواقع أمرُّ من صفوف المعلبات التي تركز كاميرا الإخبارية السورية
على عرضها، والواقع أشد قساوة من قشرة الجوز، ومن كل الاحتمالات، الواقع يقول إن
في سوريا قرابة عشرة ملايين جائع، نصفهم تقريباً لا يستطيعون تأمين وجبة واحدة، وهذا
تقرير أممي موثق، ولا حاجة لذكر تفاصيله المخيفة والتي يشيب لها الرأس، كي لا نعكر
مزاج صناع الإعلام الوطني الثابتين على مبادئهم تماماً كما يثبت سيدهم على مبدئه
فهم كاذبون، يفبركون، يتضاحكون، وهم يعلمون قبل سواهم أن كل ما يعرضونهم هو إساءة
إضافية، وهو امتهان حقيقي لكرامة السوريين الذين يزمّون شفاههم ألماً وحسرة وهم
يتابعون ما يعرض أمامهم دون أن يتمكن واحدهم من تأمين ثمن علبة الحليب التي
يحتاجها طفله، تماماً كما يتألم وهو يعلم أن هذه الشاشة الفضية تبيعه الكذب وتسخر
منه، فالعصابات الإرهابية التي أطلقت الناس على المظاهرات السلمية منذ أكثر من
ثلاث سنوات يعلم السوريون تماماً، جميعهم دون استثناء أنها ليست سوى رجال أمن تم
تدريبهم لتدمير سوريا حفاظاً على الكرسي.

في دول العالم جميعاً يكون التلفزيون أداة للترفيه
أولاً، وتقديم الأخبار والمعلومات ثانياً، لكن إعلام نظام دمشق، وبعض الأنظمة
العربية الأخرى أوجد وسيلة جديدة للتلفزيون وهو أن يكون أداة مخدرة من نوع فريد،
لكن هذه الأداة في سوريا لا تبدو صالحة في الوقت الحالي فنصف المناطق بلا كهرباء
ونصفها الآخر ترى الكهرباء مرة في اليوم، أو مرات متقطعة لذا فلن يستطيع هذا المخدر
أن يحقق الغاية المرجوة منها، ولن يكون أحد الأسلحة التي يستخدمها النظام في حربه
على السوريين، وسيظل السوريون على موعد مع جملتين فقط من هذا الإعلام بميزانيته
الخيالية، أهلاً بكم… غداً نلتقي، وما بينهما ظلام وترقب وانتظار.

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 − seven =