الآن
الرئيسية / تحقيقات / وطن بين الواقع والفكرة

وطن بين الواقع والفكرة

د. سماح هدايا

المكان الذي شهد نشاط الشّعوب المتحرّكة في المنطقة العربيّة بتنوّعها وغناها ومتناقضاتها، يواجه واقعاً صعباً معقداً،
ينسحب منه رويداً رويداً بحركة داخليّة وخارجيّة مفهوم الوطن؛ أمام هجمات المشروع الاستعماريّ
والطغياني بصورتيه القديمة والجديدة؛ فتتمزّق صورة الاستقلال السياسيّ للأرض العربيّة
ولجغرافيّتها ولسكانها.

والآن تبرز في الخارطة الحاضرة للمكان وجهتان اثنتان متكاملتان، خارجيّة وداخليّة

الوجهة الأولى الدّاخليّة( الهويّة الوطنيّة):

وتتمثّل في السّعي المنهجي الحثيث إلى تفتيت الدّاخل المكانيّ وتفتيت الهويّة
الوطنيّة الواحدة إلى هويات جزئيّة متناحرة متصارعة؛ مثل الهويّة الطائفيّة، الهوية
العشائريّة، العرقيّة، الإثنية، المناطقيّة، التي تقسّم جسم الوطن الواحد إلى أجزاء،
وتحوّله إلى أمكنة ضعيفة متمزّقة. ويمكن الرّجوع إلى كتاب الهويات القاتلة للكاتب أمين
معلوف، من أجل تعرّف الإشكالات والمتناقضات المختلفة المتعلّقة بالهويّة.

الوجهة الثانية الخارجيّة(السياسيّة لقوى خارجيّة وعدم استقلال الأرض والقرار
الوطن):

وتتمثّل في الهجمات الاستعمارية والعدوانية عبر دول وجيوش وميليشيات؛ وما زالت
البلاد، تحت سطوة وتبعية لقوى إقليمية ودوليّة أو سيطرة مباشرة من قوى الاحتلال. وقد
تعاملت التجارب العدوانية في بلادنا، عبر تاريخها الطّويل، مع المكان من بعدين: الأوّل:
احتلال الأرض وغزوها وسلب خيراتها واستغلالها واستباحة حرماتها، وتزييف تاريخها والتآمر
على حركات تحركها ونهضتها. أو اغتصاب الأرض وسلخها من الكيان الكبير، وتلفيق تاريخ
وجغرافيا جديدين لها، يوافقان أهداف المحتلّ المغتصب، ثمّ بناء المستوطنات العنصريّة
والدويلات الإثنية. والثاني: احتلال العقل وسلب الثقافة والوعي بهدف استعباد الإنسان
وإلغاء شخصيته وتذويب هويّته العربيّة الشاملة “احتلال العقل أشق بمراحل من احتلال
الأرض”ص23، احتلال العقل؛ فكانت عملياّت التّتريك والفرنسة والتّهويد والأمركة،
بالإضافة إلى عمليّات التّهجير والإبادة البشريّة التي تسعى إلى تغيير الخارطة البشريّة
في أماكن أخرى. ثم إعادة إحياء اللهجات المحلية أو اللغات الإثنية للأقوام المختلفة
في المنطقة من أجل خلق حالة صراع عرفي وقومي، علما بأن كل هذه اللهجات واللغات الفرعية
يمكن تداولها ونموّها داخلياً بشكل يتماشى مع اللغة الكبرى للجميع، عندما يتاح مناخ
الحرية والاستقلال السياسي وبناء دولة حرة ودولة المواطنة. وقد أدّى هذا كلّه، بتراكم
الواقع التّاريخيّ وانفجار الحروب، إلى تغيير الخارطة الجغرافيّة العربيّة باحتلال
أجزاء من الأرض العربيّة واغتصاب بعضها، وإلى انتشار مخيمات النّازحين واللاجئين والمهجرين
عبر حروب داخلية وحروب خارجيّة، وما رافق ذلك من تغيير مكانيّ واجتماعي وسياسي، بإضافة
مواقع فقر وحرمان وجوع وفوضى وصراع اجتماعي ومجتمعي. كما أدّى، في نتائجه، إلى تكوّن
صورتين متناقضتين في المكان. صورة التّجذّر في الأرض، بالدّفاع عن الذّات والثّقافة
والوجود، وخوض الحرب، بحركة المقاومة والجهاد من أجل استقلال الأرض وحريّتها وحماية
أهلها، وما رافق ذلك من دماء وتضحيات ودمار. وصورة من يقبل بواقع الحال كما هو، ويستسلم
عن ذل ويسوّغ ذلك بضعفه وسوء الحال، أو عن خوف ومسايرة للقوي وقبول، التبعيّة إلى المستعمر
والمعتدي والغازي والمستبد، ويعمل، من قصدٍ أو دون قصد على تكريس الخارطة الحاضرة من
خلال مفاهيم مزورة ومؤسّسات رسميّة وأهليّة مموَّلة من جهات معادية. ونقترح بعض الأفكار:

1- تأكيد مفهوم ارتباط الإنسان بالأرض فلا كرامة مع أرض ذليلة أو مع عيش ذليل

2- تطوير مفاهيم الوعي بالوطن وبالمكان السياسيّ إعلامياً وتربوياً وثقافيّاً
وأخلاقيّا وتقوية الالتزام في تطبيقها واقعياً وعمليّاً.

3- تهذيب أدواتنا في المقاومة والنّضال وخطابنا الوطني وتطويرهما دفاعاً عن
استقلال المكان ووحدته وكرامة أهله واحتراما للعقل الجمعي

4- تثقيف الفرد منذ صغره سياسيّاً واجتماعيّاً وتاريخيّاً، من أجل تكوين شراكة
سياسيّة متطوّرة بين الفرد والأمّة من جهة، وبين جماعات الأمّة من جهة ثاتية، بهدف
إنتاج وحدة اجتماعيّة سياسيّة فاعلة خلاقة وفيّة

5. العمل على تطوير صورة العدالة السّياسيّة والاجتماعيّة: أخلاقاً ومفهوماً
اجتماعياً وفكراً وعملاً، بما يخدم الإنسان كإنسان ثم كمواطن في مواطنة عادلة، وتطوير
كلِّ الممكنات لتحقيق العدالة، خصوصاً في ظل نمو أجواء الفوضى والعنصريّة وتفاقم الظلم
والعدوان، وما ينتج من حقد ومفاهيم ثأر وانتقام.

شاهد أيضاً

نازحون في مدينة الضمير - صدى الشام

النظام يجبر نازحي الغوطة على العودة دون أدنى مقومات للحياة

صدحت مآذن المساجد في مدينة الضمير بمنطقة القلمون في ريف دمشق الشمالي الشرقي بنداء يطالب …

“الاتحاد الديمقراطي” من تشويه “القضية الكردية” إلى حضن النظام

لم تقف واشنطن مع حليفها “وحدات حماية الشعب الكردي” الجناح العسكري لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

fourteen − six =