الآن
الرئيسية / منوعات / وثائقي المشحم عزف على أوتار الموت.. وحكاية لم تنتهِ

وثائقي المشحم عزف على أوتار الموت.. وحكاية لم تنتهِ

*سامر قطريب

لم تكن غوطة دمشق قريبة منّا كما هو عليه الأمر اليوم، كما لم تكن بعيدة
كما هي عليه اليوم، مللنا رؤية الدمار الذي حل بها مثل معظم المناطق الثائرة،
وسماع أخبار الموت فيها في الفترات الإخبارية “المنطقة الأولى التي قصفت بالسلاح
الكيماوي والمحكوم عليها بالموت جوعاً”

عبثت الأخبار والصور بالمخيلة لتأخذ الغوطة شكل أرض من الرماد والخراب،
نرقب ظهورها في الفيلم الوثائقي المشحم أو كما سُمِّي حكايات من شرقي العاصمة.

يكسر الفيلم الصورة المألوفة عن أماكن الحرب والقتال، فلا ينقل لنا الموت والدمار
بصورته الفجة والمنفرة، لذلك يتجاوز تسميته بالوثائقي الحربي التجاري أو المصنوع،
رغم احتوائه على العديد من اللقطات الصادمة، يوثق فيلم المشحم لحظاتٍ إنسانية قبل هروبها
من أمام عين الكاميرا التي تحوّلت لكائن من لحم ودم.

شخصيات الفيلم رموز تشترك في معنىً واحد، للشخصيات الموجودة في الوثائقي أدوارٌ
مختلفةٌ، هدفُها الأخير إدارة الحياة في المشحم في ظل ظروف غير طبيعيةٍ، إضفاء طعم
حلوٍ يختلط مع مرارة الحياة التي يعيشونها، أمرٌ تطلب من سكان المشحم عزفاً محترفاً
على أوتار الموت!

تدخلُ الشخصيات في علاقة جدلية مع الموت
والرحيل المفاجئ، قد تصل العلاقة حدّ الصداقة في محاولةٍ لقهره وعقد هدنةٍ معه،
بينما يرفض الأطفال تقبل فكرة الموت بعيداً عن وجهه البشع.

بين رفض الموت والتسليم بحقه في اختطاف أي إنسانٍ، يأتي استشهاد الزكور لينقل
الفيلم إلى مرحلة تظهر فيها ملامح الحزن على وجوه الجميع ضمن سيناريو يكتب في كل حركة
لعقارب الساعة، الفراغ الذي أحدثه استشهاد الزكور لن يطول كثيراً، فرائحة الشاي وكأس
البابونج تعيد أهل المشحم إلى مقاعد الانتظار على باب الأمل.

وردتان جوريتان، قُطفتا من على جدار
مازال صامداً تكفيان لإظهار شغف الشخصيات بالجمال والتعلُّق الغريزي بالحياة، كما أن
التشبث بمفهوم الشهادة كإبرةٍ تخدر الوجع أمام قسوة الأخبار الآتية من ساحة المعركة
“الموجودة برمزيتها” تمنع أبو لؤي من السقوط، وتجعله قادراً على متابعة مهمته
بعد أن أنبأ أماً باستشهاد ابنها في اتصال هاتفي، تاركاً المشاهدَ يفكّر في تداعيات
النبأ على أم الشهيد، هنا يلعب الموت دور البطل الشرير.

في ممرات المدرسة التي تحوّلت بفعل الظروف لمركز طبيٍّ ومكان لدفن الشهداء شخصيات
غائبة تحضر في أذهاننا، أصوات الأطفال وضحكاتهم تذوي تدريجياً بالاقتراب من لوحة
“الإعلانات” حيث أسماء الشهداء حلت مكان ساعات الدروس وأسماء الطلاب،
مقاربةٌ عفويةٌ بين دور المدرسة ودور الشهداء في إيضاح وجه الثورة الحقيقي.

يخلو الفيلم بمعظم دقائقه من أيِّ ظهور للسلاح، أما أصوات القذائف بين الفينة
والأخرى فتحضر بشكل قسري، وتشكل سياقاً أساسياً للحكاية، موائد الطعام البسيطة،
المزاح، ذقن أبو لؤي الطويلة، وقبلات مشتهاة من الحبيبة، تفاصيل هامةٌ تعكس إنسانية
الثورة والمدافعين عن شرعيتها، فخلف السلاح ووراء الحصار الخانق إنسان مثلنا يرغب في
الحياة ولكن بحريةٍ.

أحداث الحصار والقتال المتسارعة فرضت على فيلم المشحم نهاية ناقصة، يكتمل قسم
منها بعد استشهاد “حمزة” ابن أبو لؤي، لتبقى النهاية مفتوحةً على جميع الاحتمالات،
المؤكّد أن الفيلم لم ينتهِ، ومازالت أحداثه مستمرةً في شرقي العاصمة دمشق داخل المشحم،
وبالقرب من غوطتها الشرقية.

شاهد أيضاً

النظام يقرّر إزالة 90% من حواجز دمشق

يعتزم النظام السوري، إزالة معظم الحواجز العسكرية والأمنية داخل العاصمة السورية دمشق وفي محيطها، وذلك …

النظام يعد بتسريع الأنترنت “أربع أضعاف”

وعد النظام السوري، بزيادة سرعة شبكة الانترنت في سوريا، بمعدّل أربع أضعاف زيادةً عن السرعة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

nineteen − 14 =