الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / هل نُؤتمَن بعد اليوم على مصائرنا؟

هل نُؤتمَن بعد اليوم على مصائرنا؟

صبر درويش

خسر الثوار سيطرتهم على مدينة حمص، وهذه هي الحقيقة إن أسميناها هدنةً أو
انسحاباً تكتيكياً، أو ما إلى ذلك. وكان قد سبق هذا الانسحاب لثوار حمص عدة
انسحابات أخرى في مدن مختلفة من سوريا، بينما تتهيأ مدن أخرى لإخلائها من
مقاتليها.

على مستوى الشكل تعكس هذه الانسحابات تقدُّماً ملحوظاً لقوات النظام على
جبهات القتال، وتحديداً تلك الجبهات التي تمتاز بموقعها الاستراتيجي، كمدينة لقصير
في ريف حمص أو يبرود شمال دمشق وغيرها.

على صعيد العمق، تأتي هذه الانسحابات في سياق الحرب الدائرة اليوم بين
السوريين ونظام الأسد، والتي تفرض تقدُّماً هنا وتراجعاً هناك.

المسألة إذاً: ليست “هزائم” كما يحلو للبعض التسرُّع وتسميتها،
إذ كيف يصح الحديث عن هزائم طالما المقاتلون مازالوا يقاومون، ويقاومون على عدة
جبهات؟!.

إنَّ الدرس الذي علينا تعلُّمُه ممّا جرى، وما يجري، هو أن استراتيجية
تحرير المدن التي بدأتها قوات المعارضة منذ تشكل الأجنحة العسكرية للثورة كان
خياراً خاطئاً، فالثوار لا يحررون مدناً بقدر ما يضربون قوات النظام ويفتكون بها،
فيتحول السيطرة على المدن عبئاً على النظام، وليس على الثوار.

أثبتت سياسة “المدن المحررة” فشلها على أكثر من صعيد، وكان
المستوى العسكري من أكثر المستويات فشلاً في هذه التجربة، لا لأن مقاتلي المعارضة
فشلوا في الدفاع عن هذه المدن والمواقع، بل لأن هذه “السلطة” الجديدة
التي امتلكوها جعلت منهم –كمقاتلين- غرباء عن روح الثورة من جهة، وعبئاً على
المدنيين الذين لم يتمكنوا من بلورة سلطاتهم المدنية من جهة أخرى.

فقد أثبتت تجارب “المدن المحررة”، أن من يمتلك السلاح يمتلك
السلطة، وهذا احتكام يمهد الطريق للطغاة وليس للحكم المدني؛ إذ على هذا الصعيد لم
تكن السلطات المدنية المتشكلة حديثاً في هذه المدن، سوى امتداد لسطات الكتائب
المقاتلة والتي تفتقد للرؤيا السياسية والكوادر التي تؤهلها للعب مثل هذا الدور،
هذا عداك عن أن مهماتها تندرج على جبهات القتال وليس في إدارة شؤون المدن المحررة.

في مدينة زملكا في الغوطة الشرقية على سبيل المثال، سعى المدنيون إلى تشكيل
مجموعة من المؤسسات التي حاولوا من خلالها إلى إدارة بلدتهم؛ فكانت الهيئة
القضائية والتي أشرف على تشكيلها أحد الحقوقيين في المدينة؛ وعلى الرغم من أن
السجال كان إيجابياً حول طبيعة المرجعية المعتمدة هنا بإطلاق الأحكام القانونية،
إلا أن الجميع كان متفقاً على أن الهيئة مجبرة على الاعتماد على القانون السوري
الرسمي وذلك في كثير من التفاصيل، وكانت أدخلت الشريعة كمصدر آخر للتشريع.

ماذا حدث بعد أشهر من تكوّن الهيئة القضائية؟ في البداية أجبرت الهيئة على
ضم أعضاء من غير المختصين وممن يدعون بــ “المشايخ”، بوصفهم يمكن أن
يكونوا طرفاً مسانداً على صعيد مرجعية الشريعة، وبعد ذلك تمددت الشريعة كمرجعية
ثانية لتصبح مرجعية أولى، بينما الهيئة القضائية سيصبح اسمها “الهيئة
الشرعية”، هنا سيغيب القانون المدني بالكامل كمرجعية وستحل محله الشريعة
الاسلامية كمصدر وحيد للتشريع.

لم تكن الخطوة هذه سوى انعكاس لتموضع التشكيلات العسكرية في المدينة، إذ في
تلك الأثناء كان يتقاسم السلطة العسكرية على المدينة مجموعة من الكتائب التي تتدرج
بين متشددة ككتيبة سيف الاسلام التابعة للواء الاسلام ومعتدلة ككتيبة شهداء الشام
التابعة للواء تحرير الشام المتهم بأنه علماني.

إذ في تلك الأثناء ستنجح كتيبة سيف الإسلام في التمدد في سيطرتها على
المدينة لما كانت تحصل عليه من دعم غير محدود من قبل زهران علوش قائد لواء
الاسلام، في مقابل تراجع سلطة باقي الكتائب ذات التمويل الضعيف أصلاً.

لم تقوَ كتيبة سيف الاسلام، وتشتد شوكتها على الجبهات، بل بالضبط على
المدينة التي أحكمت سيطرتها عليها، فأصبح الجامع الكبير والذي كان مكاناً ليس فقط
للصلاة وإنما أيضاً للانتخابات وتداول شؤون المدينة أصبح امتداداً لها، وأيضاً
المخفر والهيئة الشرعي –التي كانت هيئة قضائية فيما مضى- وصولاً إلى المجلس المحلي
وحتى خطيب الجامع.. جميعهم باتوا امتداداً لسلطة كتيبة سيف الاسلام والتي لا يذكر
وجود كادر متعلم في صفوفها إلا ما ندر.

ليست التجربة السابقة استثناءً، بل يمكن القول إنها كانت القاعدة في أغلب
تجارب المدن المحررة، انظر على سبيل المثال تجربة مدينة دوما والتي نجح زهران علوش
في إحكام سيطرته عليها، وكذلك يبرود في القلمون وعشرات المدن الأخرى، والتي أصبحت
فيها السلطات المدنية امتداداً للسلطات العسكرية.

وبعد العشرات من هذه التجارب الفاشلة، كان السؤال مشروعاً من فئات شعبنا
كما من قبل العالم الخارجي: هل يؤتمن هؤلاء على مصيرهم؟

تبدو انكسارات الثورة على أكثر من جبهة وكأنها درس على السوريين تعلمه حول
إمكانية سيطرتهم على مصيرهم، وهو الدرس الأهم في سياق التحضير للمرحلة الثانية من
عمر الثورة السورية، حيث بات من المستحيل التقدُّم في سياق اسقاط النظام بمعزل عن
بناء السلطات المدنية النقيضة له، فمرحلة الهدم التي تقتضيها الثورات كانت قد
أنجزت على اكمل وجه، بينما فعل البناء فعليه أن يكون اليوم قيد التحضير.

شاهد أيضاً

روسيا تطالب بإخراج “الخوذ البيضاء” من سوريا.. ودول غربية ترد عليها

طالبت روسيا، الدول الغربية بإخراج عناصر الدفاع المدني السوري، المعروفين باسم “الخوذ البيض” من إدلب …

صحيفة إسرائيلية: بشار الأسد احتضن تنظيم “داعش”

اعتبرت صحيفة “هارتس” الإسرائيلية، أن رئيس النظام السوري بشار الأسد، هو من احتضن تنظيم “داعش” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 + 13 =