الآن
الرئيسية / ثقافة / هل لسوري أن يكون مثقفاً بالفعل قبل 15 آذار؟

هل لسوري أن يكون مثقفاً بالفعل قبل 15 آذار؟

نبيل محمد-صدى الشام

لم يكن متوقّعاً، ولم يكن
مطلوباً من تشكيلي سوري أن يبتدع على قماش أبيض يدَ أمٍّ
تمسك يد ابنها بحيث يمكن الاستدلال على يد الطفل من نعومتها، ويد الأم من حرصها
على ألا تفلت أصابع ابن رحمها منها.

فالصورة التي نقلتها كاميرا مصوّر من حلب، عندما
تلقف آثار الأيدي تلك بعد قصف المنطقة بالبراميل، كانت لا تزعم تفوّقها على ريشة
تشكيلي، بقدر ما تثبت بأن مقدار الألم والفاجعة والحقيقية الكامنة في اليدين
اللتين تبقيتا من جسد عائلة، يتفوق من شدة الواقعية والرموز المتضمنة على كل ما
يمكن لأي تشكيلي صناعته حينما يتتبع آثار صاعقة إنسانية ما.

وكذلك لم يكن متوقّعاً أو
مطلوباً من روائي أو قاص أو شاعر أو فنان أن يقدّم شخصية طفلٍ يعدُ القاتلين بأنه
سيشتكي لله عندما يقابله عن كل الظلم الذي تعرّض له وأسرته، كان الطفل حقيقياً
وأبلغ من أي رمز أدبي، وكذلك حنجرة القاشوش لم تنافس فناناً، ولم تقع في خانة منتج
ثقافي فني منظم وإنما أيضاً هي ابنة الحقيقة… الحقيقة الجديدة على الثقافة
السورية بكلِّ مكوّناتها والتي لم تستطع تلك الثقافة مواجهتها وخوضها كونها لم تكن
يوماً من الأيام ابنة واقعٍ أو حقيقةٍ بقدر ما هي ابنة مؤسسة مؤطرة لا تشذ عنها
إلا في سياق مؤسساتي آخر.

هي الواقعية السورية
الجديدة للغاية، الجديدة لدرجة أن مجمل المنتج الثقافي السوري لم يجرؤ بعد على
فهمها، ولم يستطع التخلُّص من متاهات التخييل والرمز والاتباعية الفوضوية، والباب
الذي فتحته الثورة السورية اليوم لم يزل مخيفاً صعباً غير مفهوم، ومجرّد الخوض فيه
هو بمثابة تنازل كامل عن منتج ثقافي سابق لا يناسب الاستبقاء عليه للخوض من خلال
الباب الجديد، وخلع الماضي وفهم الحقيقة الجديدة لم يجد بعد مثقفاً سورياً قادراً
على استيعابه، ليصبح الجدل أضيق من واقع جديد ومثقف .. بل هو مثقف فحسب.. هل هو
مثقف؟ هل لسوري أن يكون مثقفاً بالفعل قبل 15 آذار؟

يكتب صحفي سوري على صفحته
الشخصية في موقع فيس بوك “أين أنتم أيها الشعراء؟”، يجيبه آخر “ليس
هناك شعراء في سوريا”، ويعقب آخر “في وزارة الثقافة”، كلما تناول
ناقدٌ الراهنَ السوريَّ في صورته اللاعسكرية افتقد المثقف.. كان الجميع ينتقد
المثقفين ويعقب على مواقفهم، بل ويسمي منهم كتاباً وفنانين وشعراء وتشكيليين،
ويطلب منهم مواقف واضحة، وعندما لم تتضح مواقف أغلبية المثقفين لم يكن ذا جدوى أن
يدعو أحدهم إلى منتج ثقافي مواكب للثورة للسورية.. ما دام الموقف أساساً لم يحسم
أو حسم متأخراً أو محسوم، ويتردد في الإنتاج.

لا أحد اليوم يردّد نصّ
شاعر سوري كتب بعد 15 آذار، ولا أغنية مغنٍّ، ولا كتاب ناقد، ولا أحد يقتني لوحة
تشكيلي، وحدها الصور تملأ أجهزة الكومبيوتر وصفحات الفيس بوك والذاكرة، الصور
الشديدة الواقعية والحقيقية، التي احترف الناس الألم فيها، وطافت تلك الصور الدنيا
بمكونها الإنساني الموجع، وليس بعدسة مصوّرها. لا شك أن هناك من يحمل الكاميرا
ويصوّر، إلا أن الصورة السورية اليوم لا تدخل التاريخ بكف مصور بقدر ما تدخل
بوجوهها الشاحبة وعيونها المكسورة ومصادفاتها المفجعة…. باتت أية كاميرا قادرة
على أن تسجل صورة خالدة من سوريا، ترتبط بكل ما حدث بعد 15 آذار أكثر من أي منتج
أدبي أو فني.

ثلاث سنوات، والباب الذي
فتحه شباب سوريا وأطفالها لم يشهد مرور مثقف منه بشكل واضح رغم الدلالات والإشارات،
والعوائق المزالة، إلا أن العبور يبدو أصعب من مجرد اتّخاذ قرار أو موقف… هي
مؤسسات وكتب وموروث ومنتج ذاتي لابد من التنازل عنه ولو على مستوى الذاكرة الشخصية
للمثقف، لا يكفي اليوم العتب أو السخرية على شبان جدد بدؤوا الخوض في المجال الفني
والثقافي، وربما تلقى الكثيرون منهم الدعم دون خبرة كافية لهم فيما يخوضون، كانت
الميزة الأولى وأحياناً الوحيدة التي امتلكها هؤلاء الشبان أنهم أعلنوا ولادتهم
اليوم وللتاريخ بعد ذلك أن يخلد من شاء وما شاء.

شاهد أيضاً

وضوء الدم!

ركعتان في العشق لا يكون وضوءهما إلا بالدم، تلك إحدى تجليات صوفي خلع الخرقة وترجل …

الموسيقى العربية من العصر الجاهلي إلى التكنو الحديث في باريس

يجول معرض في باريس على تاريخ الموسيقى العربية في عهودها المختلفة، من الحداء في الجاهلية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 3 =