الآن
الرئيسية / رأي / من لا يحضر ولادة عنزته تلد جحشاً

من لا يحضر ولادة عنزته تلد جحشاً

عبد القادر عبد اللي

في الشهر الماضي قدمتُ في مركز الدراسات الإستراتيجية التابع لكلية العلوم السياسية في جامعة أنقرة محاضرة حول السياسة السورية بعد مرحلة حافظ الأسد، وحضرت أخرى تناولت الأحداث السورية الأخيرة قدمها ثلاثة أساتذة جامعيين في مركز الدراسات الإستراتيجية لجامعةيلضدرم بيازيدفي أنقرة أيضاًلقد فوجئت بأن الأكاديميين أصحاب الخبرة يدركون كثيراً من الأشياء الغائبة عن الصحافة التركية، وتغيب عنهم أشياء كثيرة أيضاً

هناك فرق كبير بين ما تطرحه وسائل الإعلام التركية وما يقدمه هؤلاء. فهم يعرفون تماماً اللاعبين الدوليين، ولديهم فكرة شبه معقولة عن توازنات الداخل السوري، والأهم من هذا يدركون الدور الإسرائيلي الحاسم بإطالة أمد الأزمة، وكثيراً من الأمورعلى الرغم من وجود كثير من النقص لدى هؤلاء، ولكن معارفهم أفضل مما يُطرح في الصحافة التركية بآلاف المرات. فقد استطاعوا بجهودهم الذاتية إدراك العلاقة بين النظام وداعش، وعدم تسمية داعش معارضة، وتمكنوا أيضاً من فصلPYDعن المعارضة والنظام، واعتباره كياناً سياسياً يعمل خارجهما حيث تتطلب مصلحته، والدور الإيراني الكبير في الصراع السوري

بالطبع من يقدم هذه الرؤى يوصف بأنه خبير في الشأن السوري، ولكن على الرغم من هذا ثمة ما يغيب عنهم تماماً، وحتى ثمة تعابير قالبية انتقلت من الصحافة إلى الأكاديميين والخبراء في الشأن السوري

على سبيل المثال، عند إبراز الدور الإيراني، يردون على اعتراضاتالمناضلين اليساريينبهدوء شديد مغلف بالسخرية: “نحن لا ندعي هذا، إنهم الإيرانيون أنفسهم يقولونهبكل بساطة يربطون ألسنةالحفّاظبكلمتين هادئتين… (بالمناسبة، صحيح أن كلمة الحفاظ من الأدبيات الإسلامية، ولكن كل ما في الإسلام يمكن استخدامه لدى شيوعية ما بعد الحداثة دون خوف أو وَجَل)

على الرغم من إبراز الدور الإيراني على الأصعدة كافة (عسكرية، اقتصادية، إعلامية، دبلوماسية…) يصر الأكاديميون مثلهم مثل الصحفيين على وصف ما يجري في سورية أنه حرب أهلية. أليست الحرب الأهلية معركة تدور بين طرفين من بلد واحد؟ هل الإيرانيون من سورية، أم اعترف بسورية المحافظة الخامسة والثلاثين في الجمهورية الإيرانية الإسلامية كما قال مستشار المرشد، وأن حدود إيران تنتهي عند البحر المتوسط كما قال المستشار العسكري الآخر؟ ألا يمكن أن تعتمد تسمية: “احتلال إيرانيمثلاً؟

ليست صفة الحرب الأهلية فقط الراسخة، بل هناك كثير من المفاهيم الصحفية المحلية التركية والغربية انتقلت إلى مراكز الدراسات وتغلغلت، وباتت تستخدم بشكل غاية في البساطةعلى سبيل المثال: “هل كان لتركيا أن تفعل شيئاً غير ما فعلته؟هذا السؤال الساذج تطرحه المعارضة التركية لأسباب في نفس يعقوب.. ولكن أليس حرياً أن يكون لدى الأكاديميين معلومات أدق حول الدور التركي في محاولة تجنيب سورية هذه الكارثة الإنسانية؟

القضية الأخرى عدد الضحايا.. ثمة عبارة قالبية تستخدم في الصراعات كلها، تقول: “خذ رقمي الطرفين واستخرج المتوسط الحسابي لتعرف الحقيقةالغريب في الأمر أن الخبراء أيضاً استخدموا هذه العبارة، وهل هناك أرقام لدى الطرفين؟ ثم لو جمعنا عددالإرهابيينالذين يصرح النظام أنه قتلهم لفاق المليون، وفي حال جمع المليون مع رقم صفر، واستخراج المتوسط ستكون النتيجة خمسمائة ألف ضحية! هل يمكن أن يقع أكاديميون في هكذا مغالطات؟..

ليست غايتي من سرد بعض الوقائع أن أنقد هؤلاء الأكاديميين الذين بذلوا، ويبذلون جهوداً كبيرة للاطلاع على قضيتنا، وشرحها، وكما قلت في البداية فإن لديهم من المعلومات ما يمكن أن نصفه حسب القول العامي: “بيشطفوا ألف تم عن غيرنولكنه ناقص جداً، فمن الذي سيتوجه إلى هذه المراكز؟

عندما بدأ الزوار يأتون من الخارج إلى سورية بعد التوريث، طرحت قضية أن هؤلاء يريدون زيارة مراكز بحثية إستراتيجية، ولكن مراكزنا في سورية كلها لدى المخابرات، ويمنع دخول غير الإيرانيين إليها، فاستحدثت السلطات مركزاًستارةأسمته مركز جامعة دمشق للدراسات الإستراتيجية مهمته استقبال الأجانب، وشرح الانفتاح العظيم والتحول الديمقراطي الذي تشهده البلاد في ظل القيادة التاريخية“… حتى الآن هناك من يعتقد من الأجانب (المحايدين/ وغير المؤيدين للنظام السوري) بأن هناك مركز دراسات إستراتيجية في جامعة دمشق

إذا كانت المعارضة (عسكرية وسياسية) انطلقت بادعاء تأسيس دولة، أليس من الضروري أن تجري اتصالات مع هكذا مراكز، وتقدم لها المعلومات اللازمة؟ (طبعاً لا أقصد الأحلام التي يذيعونها على شاشات التلفزيونات) إذا كان هذا لا يُنفذ على صعيد تركيا الدولة المحسوبة من أكبر الداعمين لقضية الشعب السوري، وهي كذلك فعلاً، فما بالنا عندما نتكلم عن مراكز الدراسات الإستراتيجية في البلدان الأخرى؟

كان والدي رحمه الله كثيراً ما يقدم لي النصح، وبقيت كثير من نصائحه: “حلقة بأذنيكما نصحني أن أفعل أيضاً، ومن هذه النصائح: “من لا يحضر ولادة عنزته تلد له كراً“.. والكر هو الاسم العامي لابن الحمار، ويسمى بالفصحى جحشاًنخشى أن تلد لنا عنزتنا جحشاً

شاهد أيضاً

جلال بكور

كيف ستواجه السعودية عواقب “خاشقجي”؟

اللغز المحير الذي ما يزال يرافق قضية اختفاء الصحفي السعودي “جمال خاشقجي”، وما يجري الحديث …

جلال بكور

لماذا أبقت أمريكا على النظام

يقول المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا “جيمس جيفري” إن بشار الأسد يحكم دولة بمثابة “جثة” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

two + 10 =