الآن
الرئيسية / ثقافة / مقابلة مع الشاعر مازن إسماعيل حررناها لنعتقل بها من جديد ؟!! … سأبدأ شعري عن سجّاني خصمي اللدود

مقابلة مع الشاعر مازن إسماعيل حررناها لنعتقل بها من جديد ؟!! … سأبدأ شعري عن سجّاني خصمي اللدود

غريب ميرزا
منذ أكثر من سنة بالتحديد في السجن. كنت دائماً أردد همساً سأبدأ شعري عن سجّاني وعن خصمي اللدود- النظام المتوحش- ولكن الآن سأقول عن رزان زيتونة لا عن طل الملوحي لأنها اعتقلت من أرض يفترض أنها محررة من نتاج سجني وسجن طل وغيرنا الكثير والكثير  ودماء شهدائنا 
حررناها لنعتقل بها من جديد ؟!! أجل أنا متعب 
قلة مازالوا يكتبون بعيداً عن الشعر الرمزي والمتمثل بقصيدة النثر أساساً، لماذا أنت بعيد عن قصيدة الرمز النثرية؟
لا يهمني شكل القصيدة أو نوعها، أنا أكتب لأسكر، فقصيدة  أليسار نثرية كتبتها 2006 عندها قال لي فايز خضور ونحن في منزله قوية، ولكن لو قلت “شفتيك الأبيتين ” أجمل من شفتيك الأبية ” فكرهته، ولم أشأ بعدها زيارته لتدخله في ماهية كأسي وشجوني أنا أكتب أحياناً في القصيدة الواحدة عدة أنواع للشعر، ومنها قصيدة “سلمية وابنها الماغوط” بدأتها بالنثر ثم بالتفعيلة ثم بالعامودي البحر الكامل والمتلقي لا يشعر بذلك حين ألقيها. 
هل ترى أن شعر التفعيلة متفوّق عن شعر النثر الرمزي؟ ألا يلعب الآن الرمز الوظيفة التي كانت سابقاً للوزن الموسيقي؟
الشعر يتفوّق في المضمون لا في الشكل، فالماغوط مثلا ينثر بطريقة تلهيك عن الوزن، وللنثر أهلُه، فقلّة من الشعراء يجيدونه ويتميزون به وبالنسبة إليّ أرى في الموسيقا بين حروفي نديماً وخليلاً لذا دائما أحتاج للطرف الآخر في قصيدتي 
وتميّز الشاعر هو أساس الشعر في أي زمان لا نوع شعره 
ألا ترى أن تحرك الفلسفة المعاصرة والوعي العالمي المعاصر ذهب باتجاه ألا يكون هناك موضوع محدد بمعنى القصد أو الهدف لأي نشاط فكري، ولا سيما لغوياً مثل الشعر؟ ألا تشكل قصيدة التفعيلة ببنائها موضوعاً محدداً؟
نعم بالضبط قصيدة التفعيلة أو الوزن بشكل عام، له وجهة محددة وبعيد عن الفوضى والعشوائية، ولكنها تبقى السهل الممتنع 
أقرأ كثيراً من القصائد والمقاطع لشعراء كثر في عصرنا هذا، وسرعان ما ألجا إلى ” الزوميتان ” دواء الشقيقة الذي يرافقني  
قد يرى البعض أن قصائدك تقع في المباشرة؟ 
أنا أكره التعميم والتلميح أكره مطران في قصيدة ” مقتل بزرجمهر ” وأحب بدوي الجبل في شتم عبد الناصر.
الشعر يخاطب الوجدان العام، كشاعر كيف ترى أن الوعي العام يستقبل الشعر الآن؟ ألا يستقبل الوعي العام رسم الكاريكاتير أفضل من الشعر، ولاسيما الشعر المباشر؟
كل إبداع من شعر وغيره يستطيع دخول قلوب الناس هو الأفضل. وهنا تقع المسؤولية على الكاتب والشاعر والرسام والمصوّر والمغني وإن كان قصدك في  هذا الوقت بالتحديد فأنا أشاركك الرأي  كلنا بحاجة لدرويش والماغوط وقباني العصر. الثورة تحتاج للفكر وهذا ما غيّبه النظام الفاسد في سوريا، وساعده على ذلك غباء أصحاب النفوذ في المعارضة. 
إذا رأيت أن الناس لم تعد تستقبل الشعر بالشغف ذاته قبل عقود قليلة، لماذا؟ هل الشاعر أصبح ضعيفاً أم الأدوات الشعرية أصبحت قديمة؟ أم الإنسان أصبح مستهلكاً؟
  منذ أن فقد الكتاب دوره في حياتنا، وأصبحت بيوتنا بلا مكتبات أصبح الانسان فريسة للجهل الفكري والتطور الملغوم،  وكل همه خط نت سريع أو فضائي وتواصل اجتماعي على الفيسبوك وغيره أذكر أنني كنت أمشي عدة كيلو مترات لأصل البرامكة تحت الجسر لأشتري كتاباً، لا يهمني فحواه أبحث عن أي كتاب قديم ورقه أصفر لا أدري لماذا؟ ولكن عندما أضمه إلى صدري أشعر بالحضارة، ولكنني الآن أيضاً فريسة للجهل الفكري والتطور الملغوم أكتب شعري على  اللابتوب .. صدقت أصبحنا مستهلكين.
المقولة العامية الآن: لا تتكلم شعراً … أعطني خبزاً. ما تعليقك. الناس اليوم ألا ينظرون إلى الشعر كوهم وحماقة؟
أحمق من لا يرى في شعري حماقة
 فأنا أعيش في واد والدنيا في واد، قلّة من يستطيعون تذوق الخبز في شعري وقلّة من يسكرون على تراتيله ليعذرني من يريد خبز لملء معدته، فحروفي خُلقت  للقلوب 
كشاعر ما الزاوية المفضّلة لديك كي ترى منها ما يحدث في سوريا؟
زاوية المخلص ” الجيش الحر” أقدس وصفه، ولكنه للأسف اليوم أصبح فضفاضاً وواسعاً، سيبقى في ذهني كما كتبته أول مرة في بداية الثورة، وسوف أموت وأنا أسكر على عتباته:
يا ابن الخسيسة قم بحضرة مجدهم        قبّل يديهم، واطلب الغفرانا
لمَ اُعتُقلت؟ أين؟ وما هي الفترة؟ كيف كان وضع السجان؟ التعذيب وغير ذلك؟
اعتقلت في 18-6-2012 بالقرب من مدينة الرستن إثر كمين لشخص مهم، ومطلوب لدى النظام وهو البطل يوسف الأشتر حيث كنا سوية، ومعنا شاب من الرستن موسى الديك، وشابان من سلمية ملهم رستم وثائر نصرة انهمر الرصاص علينا مثل المطر فاستشهد يوسف وموسى وملهم واعتقلنا أنا وثائر، ووجهت لنا تهمة الانضمام إلى منظمة إرهابية. أمضينا فترة تتجاوز الأربعة أشهر في أفرع حمص الأمنية لننتقل بعدها تحت محاكمة الارهاب إلى سجن حماه المركزي، ونقضي فترة تسعة أشهر تقريباً  
في الأمن العسكري في حمص كان الوضع لا يوصف من سمع ليس كمن رأى. جميع أنواع التعذيب وأشدها، كنا أنا وثائر تقريباً الوحيدين من سلمية بهذا الفرع، وكان معنا أبناء حمص المدينة والريف نأكل، ونشرب ما يبقينا أحياء، والبعض يموت جوعاً والمعتقل تحت الأرض، لانعرف الليل من النهار، ولا نستطيع النوم بسبب العدد الهائل من المعتقلين كان يصل أحياناً عددنا في المنفردة إلى 16 شخصاً، وأذكر أنه استشهد أكثر من 7 أشخاص في يومين بسبب الحرارة والتعذيب وانتشار مرض الملتحمة بيننا. 
أكره السجن والسجّان لدرجة لا أستطيع تخيلهما، أكره تلك العصا الضخمة التي انهالت على ظهري مثل الصاعقة لمجرد إنني وقفت في الكاريدور بين المنفردات. 
عزيزي لكل أسير في سوريا تاريخ داخل السجن، وليس قصة وأغلبها متشابه، ولكن ليس كالشاب علي وطفة ابن مصياف العاجز والمريض بداء بهجت، تسعة أشهر وأنا أنظر اليه …عندما أرى الصبر والعنفوان في عيونه أخجل من نفسي فأهدأ، وأنسى حقد الجدران من حولي. قال لي مرة: هذا النظام لا يخجل من سجني بتهمة إرهاب وأنا صابر على وضعي، فإما طلعة عز أو طلعة النصر ما جعلني أكتب فيه قصيدة المناضل الأحدب:
دعوتك فاعلمي أني
أبيٌّ رغم مايجري
وأن السجن علّمني 
دروس العز والصبر
مضت أيامي تاريخ 
وصوت الحرّ في صدري 
فكم من أحدب مثلي 
يناجي ساعة الحشر
فإما طلعة العز 
وإما طلعة النصر
ومن مصياف تاريخي
فهل يرتابك أمري
وهل يرتابك عجزي
وهل يرتابك خبري
سلي مصياف من ولدت 
سلي نّوارها العطرِ
سلي الزيتون يخبرك 
عن الأحرار في جذري
أنا الصوت الذي انتشر
وممنوع من النّشرِ
فلا عجزي يساورني 
ولاعكازي في حذري
سأمضي وثورتي شرف
تباهي طلعة الفجر
ولا القضبان تعنيني
ولا الحقد الذي يسري
ولا التعذيب يمنعني
ونور الحر في بصري
أرى أسورهم سقطت
سقوط الشمس في البحر
أنا العجز الذي أُسر 
فهل يخزيكمُ أسري
هذه صورتي مع علي في سجن حماه المركزي، ولكن أكثر ما يؤلمني هو أنه كان يصارحني أن الأطباء منذ سنين شخّصوا مرضه بالخطير، وأنه لن يعيش لأكثر من 35 سنة، وعمره الآن 34 سنة تقريباً. كان يهمس في أذني: أريد أن أموت وأدفن في مصياف،  ويكرر في مصياف .. علي مازال إلى الآن في السجن، ومصياف مازالت تنتظر
ما تجربة السجن والاعتقال، نريد أن نراها من عيني عائد منها؟
تجربة الاعتقال والسجن تجربة مريرة وحقيرة، ولكنها مشرّفة، هل رأيت حقيراً يشرّفك .. تجده فقط في سجن بشار الأسد
حدس الشاعر: ما المستقبل الذي تراه؟
أرى سوريا سترجع يوماً  إلى سوريانا، التاريخ يعيد نفسه، والمراهنة فقط على الزمن
س: هل صدر لك ديوان؟ وما الدواوين التي تنوي اصدارها؟
لم يصدر أي ديوان مطبوع بسبب الحالة الأمنية سابقاً، وبسبب الوضع المادي أيضاً. 
لدي ديوان جاهز حالياً للنشر، وآخر لم يكتمل بعد 
النية موجودة، ولكن دور النشر مغلقة لأسباب صحية، ممنوع التدخين وأنا سيكارتي لا تفارقني. 
كيف ترى دعم منظمات المعارضة للحركة الثقافية والابداعية؟ 
أين تلك المنظمات؟ صدقاً لا أعرف حتى اسم أي منها
ماذا تريد تماماً من منظمات المعارضة أو اليونسكو وغيرها من دعم؟ كشاعر أي كمبدع ثقافي؟
إنقاذ الثورة، فالثورة بلا فكر،  وثقافة وشعر وإبداع  كامرأة بلا نهدين
إذا اُستُخدمت الفنون العديدة من المعارضة بطريقة مدروسة ألا يساهم ذلك في إعطاء رؤية دقيقة وصادقة عن الوضع في سوريا للغرب؟
إذا قامت المعارضة بذلك، اعلم عندها أن الثورة السورية للمضمون السوري والتاريخ السوري قد استفاق، عندها الغرب  سيرسل لنا مستشرقين ليكتبوا الحضارة السورية في تاريخ الثورات، ويعلموها في مدارسهم وجامعاتهم، ولن يقتصر فقط على إنقاذ الحالة الإنسانية في سوريا، وإيقاف سيلان الدماء.

شاهد أيضاً

وضوء الدم!

ركعتان في العشق لا يكون وضوءهما إلا بالدم، تلك إحدى تجليات صوفي خلع الخرقة وترجل …

الموسيقى العربية من العصر الجاهلي إلى التكنو الحديث في باريس

يجول معرض في باريس على تاريخ الموسيقى العربية في عهودها المختلفة، من الحداء في الجاهلية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

two × 1 =