الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / مراجعة مكثّفة للثورة السورية

مراجعة مكثّفة للثورة السورية

رانيا
مصطفى

يعلن
النشطاء والمثقفون والسياسيون فشلَ الثورة، بعد أكثر من ثلاث سنوات من النضال
السلمي والعسكري. الفشل هنا يعني الفشلَ في إسقاط النظام؛ فالنظام سيجري انتخاباته
الرئاسية، ويجدّد لنفسه.

وللإضاءة
على جوهر المشكلة سنعود إلى النقطة التي انطلقت منها الثورة السورية؛ فقد خرجت
مناطق واسعة بمظاهرات وصلت إلى مئات الألوف، وتركزت بشكل رئيسي في المناطق التي
تضررت من التحديثات الليبرالية الجديدة التي انتهجها النظام تدريجياً منذ وصل بشار
الأسد إلى الحكم، والتي كانت ضرورية لاستمرار تراكم رأس المال للطبقة البرجوازية
القديمة وللمترسملين الجدد بعد أن نهبوا القطاع العام. فقد وصل الكثير من الشباب
الفقير درجةً من فقدان الأمل بالمستقبل، لحد الاستعداد للموت في سبيل التغيير؛
هؤلاء معظمهم لا يملكون وعياً سياسياً، للتعبير عن أوجاعهم ومطالبهم الحقيقية، هذا
ما جعلهم ينساقون لشعارات هي أقرب لردود الأفعال منها للشعارات السياسية.

المشاركون
من النشطاء والمثقفين معظمهم متعلّمون، وينحدرون من الطبقة الوسطى، ويملكون وسائل
التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا، ولكنهم لم يفهموا وجع الفئات المسحوقة من الشعب،
رغم انخراطهم بينهم، ونجاحهم بدايةً في تشكيل بذرة هيئة سياسية يمكن أن تتطوّر،
وتمثل الشعب، وهي التنسيقيات؛ فقد عبّروا عن الثورة وفق الرؤية التي تناسبهم، أي طرحوا
مطلب الحرية، إضافة إلى الديمقراطية. لعل علنية نشاطهم هي ما مكن النظام من طردهم
من الثورة مبكراً، عبر القتل والاعتقال؛ القسم الأكبر منهم انتقل إلى الخارج، وانخرط
في كيانات المعارضة البائسة، ليتوقف تطوير وعيه ونشاطه السياسيين. تولّى مهمة
الحديث عن الثورة نشطاء من الفئة الفقيرة، وغالباً هم غير متعلمين؛ ونتيجة حاجتهم
للدعم الإعلامي، وكذلك التسليح، قاموا بالتشبيك مع معارضي الخارج، وتُبِّعوا لإرادات
الداعمين، في الخليج خصوصاً، فتضخّمت الشعارات المعبرة عن ردود الفعل، وتغلغلت الأسلمة
والتطرف والطائفية في الثورة شيئاً فشيئاً.

المعارضة
منذ البداية غرّدت بعيداً عن الثورة، رغم أنها تتحدّث باسمها!. رأت الثورة من
زاويتها الخاصة، واختصرتها بمطلب الديمقراطية، أي تداول السلطة فيما بينها عبر
صناديق الاقتراع، ولم ترَ النّظام إلا من زاوية الاستئثار بالسلطة، باسم حزب البعث
تارةً، وباسم الطائفة تارةً أخرى. هيئة التنسيق طالبت بالديمقراطية بعد أن يُسقِط
النظام “الأمني الاستبدادي” نفسه!، بضغط من روسيا.

المجلس
الوطني أراد الوصول إلى الديمقراطية التي تنصبه في الحكم بدلاً من النظام، بعد
الإطاحة به عبر تدخُّل عسكري أو حظر جوي أو دعم بالتّسليح، وبمثّله طالب الائتلاف؛
وكلاهما يتحكم به الدول التي تدعمه.

تتحمّل
المعارضة مسؤولية عدم فهم طبيعة النظام، كنظام شمولي إفقاري، تستفيد منه العائلة
الحاكمة، والطبقة البرجوازية المتحالفة معها عضوياً؛ أي أن النظام ليس علوياً ولا
يمثّل العلويين، وهو حريص على الحفاظ على من استطاع تخويفهم من الثورة من الأقليات
الدينية والعرقية والعلمانيين، وكذلك الطبقة الوسطى المتديّنة في دمشق ومن قبلها
حلب، فضلاً عن تنظيمات فلسطينية جندها لخدمته. وهو استفاد من كل ذلك، بما فيه
الطائفية لتجنيد المقاتلين، وقد استنفد كل ذلك، واضطر إلى الاعتماد الكلي على
مقاتلين مدعومين من إيران، من حزب الله والعراق.

والمعارضة
لم تفهم إلى الآن طبيعة النظام الإمبريالي العالمي، وأزماته الحالية، وطبيعة
الصراعات الدولية، فمصلحته ليست في التدخل في سوريا، بعكس ما حصل في ليبيا والعراق،
حيث النفط. مصلحة المجتمع الدولي، وعلى رأسه أميركا وروسيا، هي تدمير سوريا،
وتحويلها إلى دولة ضعيفة، وغارقة في الديون، وفي الصراعات الأهلية الممسوكة
إقليمياً، وإنهاء الثورة الشعبية، فضلاً عن ضمان أمن إسرائيل؛ وبالتالي الاختلاف
بين الدولتين العظميين هو على تقاسم المصالح، والذي انتهى بعد جنيف1 بترك سوريا
لروسيا. مصلحة روسيا هي في بقاء النظام حالياً، فبعد فشل الثورة والمعارضة في فرض
أي بديل آخر، ظل النظام بالنسبة لها هو الضامن لمصالحها الاقتصادية ولنفوذها في
الشرق الأوسط، فضلاً عن استمرار قدرته على ضبط وتحييد فئات واسعة عن الثورة.

ولم
تنتبه المعارضة والنشطاء كيف تمكّن النظام من تحييد شرائح واسعة من المجتمع السوري
عن الثورة؟؟ وتعاملوا مع المسألة من زاوية أخلاقية بحتة تقسم الشعب عمودياً إلى
خيّر مع الثورة، وشرير مع النظام، وهنا يجد الطائفيون خصوصاً مرتعاً لهم لتصنيف
طوائف بعينها على أنها خير أو شر، بما يحمل ذلك من تبرير لأخطاءالثوار، وغضِّ نظرٍ
عن أخطاء الثورة المتفاقمة. مؤيدو النظام متضرّرون من
سياساته الليبرالية، ومن التضييق الأمني والتخويف والاعتقال، الذي يمارسه حتى على
أصغر القرى “العلوية”؛ وبالتالي الموالون هم كذلك بحكم تخوُّفهم من
التغيير، والفوضى والاقتتال الأهلي، والتطرف، ومن إسلام مختلف عن ذلك الذي يريده
مسلمو العاصمة، ويدعمه النظام بوفرة. الثورة، بنشطائها ومعارضتها، لم تقدم لتلك
الكتل الموالية سوى المزيد من التخويف، وهو ما يُحسب لمصلحة النظام.

فوق
ذلك ننتقل إلى فوضى التسليح؛ فقد بدأ استخدام السلاح، كخيار لا بد منه، لحماية
التظاهرات السلمية، ولحماية الأحياء والقرى من الاقتحامات؛ المشكلة أن المعارضين
في الخارج، وعلى رأسهم الإخوان المسلمون، دعوا إلى العمل المسلّح منذ البداية، دون
ضمان لتأمين السلاح، سوى عبر استجداء الغرب لإقامة حظر جوي، ودولِ الخليج لتقديم
السلاح، ولم يقدّموا استراتيجية قتالية ناجعة للثوار، غير سياسة تحرير المدن، التي
أثبتت فشلها بعد تمكن النظام من تدمير تلك المدن وتشتيت الحاضنة الشعبية، وفرض
حصارٍ وتجويعٍ على من تبقى، لينتهي الأمر بقبول الثوار بهدن النظام، كما في حمص.

تُركت
الفئات المضطهدة وحدها في ثورتها، ذلك الاضطهاد هو ما دفع البعض للبحث عن سلطة
وهمية في المناطق المحررة، وجدوها في أشكال الإسلام السياسي المختلفة، من تنظيم
القاعدة في داعش والنصرة، إلى الجبهة الإسلامية والكتائب السلفية؛ تلك الأسلمة
كانت عاملاً مشتتاً لقوى الثورة، خاصة مع التحكُّم الخارجي فيها عبر الدعم،
وبالطبع انتهى الأمر بتحكم سعودي بما تبقى من الثوار عبر الجبهة الإسلامية على طول
البلاد؛ الأمر الذي جعل الشعب الثائر “يطفُش” من الثورة كلياً؛ فقد بات
مصير سوريا كلُّه يتنازعه الإيرانيون والسعوديون، عبر تحكم إيران بجيش النظام
وبسياسته وهدنه، وتحكم السعودية بالجبهة الإسلامية ومن تحالفت معهم من متطرفين
وقاعديين.

شاهد أيضاً

استئناف “مفاوضات درعا” بوساطة أردنية

أعلن المعارضة السورية المسلّحة، المُقاتلة في محافظة درعا جنوب البلاد، عن استئناف المفاوضات اليوم الأحد، …

“اتحاد علماء المسلمين” يطالب المجتمع الدولي بوقف معاناة المدنيين في درعا

طالب “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” المجتمع الدولي، بإيجاد حلٍ لما يحدث في درعا، مُعرباً عن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

five − 3 =