الآن
الرئيسية / منوعات / ما يحدث في المعتقلات غيض من فيض

ما يحدث في المعتقلات غيض من فيض

يارا جرعتلي*

(من خلف جدران المعتقلات يتسلل صوت من لا صوت
له، من تلك العتمة يكتب لإحدى المعتقلات النجاة والخروج إلى العالم بالرمق الأخير
من الحياة، ولكنه رمقٌ كان كافياً كي تخبر
العالم كل العالم بما يجري في سوريا، وتحديداً في معتقلات الطاغية).

لم تكن تعلم رباب أن حياتها ستتغير، وأن ما قامت
به لأجل الثورة ستدفع ضريبته باهظاً مع العلم أنها فقط خرجت بمظاهرات وبالفترة الأخيرة
ساعدت بعض النازحين ضمن استطاعتها.

عند حاجز الفرقة الأولى جاء الضابط إليها ومعه
هويتها ومن بين الجميع أمرها بالنزول موجهاً لها أقسى أنواع الشتائم وهي تسأله: “ليش
شو في؟ شو عملت سيدي؟”

وبحسب كلام رباب كان يرد الضابط: “سيدك غصب
عن يالي خلقك”، انزلي أحسن ما شدك بشعرك”.

نزلت رباب وأمر الضابط الشوفير بإكمال طريقه من
دون رباب التي أخذت ترتعد خوفاً وخفقات قلبها تكاد تسمع فتهرع للضابط وتترجاه أن
يخبرها ما الذي يحدث؟ ماذا فعلت حتى يتعامل معها بهذا الشكل؟ هي تريد ركوب السرفيس
مع العائلات هي لا تريد البقاء معه.

يضربها، ويرميها على الأرض ويقول: “ماتتظاهري
ولي وما تساعدي النازحين كمان!”.

كانت كلماته صاعقة على أذن رباب، هل يستدعي
مساعدة النازحين كل هذا التصرف، هل انعدام الانسانية يفرض على الضابط احترام
السوري أيا كان!

اقتيدت رباب إلى فرع المنطقة العسكري حيث أُدخلت
الى غرفة من غرف الفرع مع الشباب المعتقلين وكان عددهم خمسة، وعندما حاولت السؤال
عن المكان من أحد العناصر رد عليها بصفعة على وجهها جعلت الدماء تسيل من فمها، وأخذت
تبكي وتصرخ إلى أن هدّدوها بالتعذيب إن لم تصمت، وفعلاً صمتت لكن غصة في حلقها
والشعور بالاختناق لم يفارقها.

دخل
الضابط وأمر عناصره بتجريد الشباب من ثيابهم وهم على مرأى منها، وعندها جاء شبيح
عريض المنكبين ضخم الجثة وبيده سياط بدأ يضرب الشباب العراة بكل قوته يعبر عن حقده
وعدوانيته يضربهم ضرباً لا يحتمله أي انسان وكلما حاولت رباب أن تغض النظر يمسك
الضابط وجهها ويديره إلى جهة الشباب المعذب وعيونها تسيل وتسيل وقلبها يكاد يتوقف كانت رباب تتعذب
من شدة عذابهم فصوت ألمهم صدح بالمكان وكان مخيفاً أكثر من الألم نفسه، ودماؤهم
ملأت الجدران والأرضيات، فكل خلية من أجسادهم تستصرخ.

تركع رباب على قدمي الضابط، وتستحلفه أن يكف عن
عذابهم، فماكان منه إلا أن يخلع عنها حجابها ويشدها من شعرها ويجاوبها: “ماتزعلي
عليهن!! لسا بدك تزعلي عاحالك أكتر منين”.

سقط الشباب العراة مغميين على الأرض يطوفون فوق
دمائهم على مرأى ومسمع من رباب المصدومة من هول التعذيب فهي تعتقل للمرة الأولى،
وترى بعينيها تعذيباً لا يوصف بكلام.

يجرّ العناصر الشباب المدمي إلى خارج الغرفة كحيوانات ميتة ويخرج الضابط معهم، وتبقى رباب مع
رائحة الدماء وشعور بالموت يقترب.

وبعد قليل يدخل عناصر من الأمن ويأخذوها إلى
غرفة التحقيق التي يتواجد بها المحقق والضابط نفسه. وبدأ المحقق باستجوابها عن
مشاركاتها بالمظاهرات ومساعدتها للنازحين وعن الشباب الذين كانوا يدعونها للتظاهر
ومع من تخرج و و……الخ، كانت رباب تنكر كل ذلك، وتؤكد أن لا علاقة لها بأي شيء
ولا تعرف أي أسماء ناشطين.

أثناء التحقيق كان الضابط ينظر إليها نظرات كلها
دناءة مع نصف ابتسامة تعلو وجهه القبيح، ينهال الضابط عليها بالضرب ويصفعها على
وجهها، تشعر بأن روحها خرجت من وجهها ويكبل
يديها بكرسي كان بالغرفة، ويقترب من جسدها رويداً رويداً، ورباب تبدأ بالصراخ من أعماقها
مع خوف وألم لا ينتهي أحست رباب أن صدى صراخها يملأ الدنيا بدون فائدة، الضابط
يقترب أكثر يمزق لها ثوبها ويغتصبها أمام أعين المحقق الذي يراقب الوضع ضاحكاً
مستمتعاً بهذا المشهد الدموي.

تسقط مغماة عليها تستيقظ في غرفة أخرى عارية
تماماً، والدماء تخرج من كل خلية من جسدها النحيف، وآلاماً لا تتوقف وتدرك العمل
الشنيع الذي قام به الضابط لقد (اغتصبها جسدياً ونفسياً) إنه العذاب الأبدي كانت
مصدومة ومتألمة كانت رباب وحيدة.

تقول رباب: “لقد بكيت وبكيت عن البشرية
كلها عن آلام البشرية كلها إلى أن فقدت صوتي” فحبالها الصوتية أضعف من أن
تعبر عن كل هذا الألم ظلت تبكي رباب حتى أغمي عليها مجدداً، وهذه المرة تستعيد
وعيها رباب في زنزانة أخرى يستر جسدها العاري رداء ألبسوها إياه الأمن، وفي هذه
الزنزانة فتيات معتقلات، من لباسهن
ووجوههن عرفت رباب أنه جرى معهن ما جرى معها؛ وتعارفت عليهن أنهم فتيات من عمرها
تقريبا من عمر الورد، لكن هرمت أجسادهن من كثرة التعذيب. ينتمين لمناطق مختلفة من
سوريا، لكن الأغلبية من ريف دمشق وحمص.

كل يوم يدخل عليهن عناصر الأمن، ويأخذون واحدة
منهن إلى التحقيق الذي لاينتهي، تحاول المعتقلات ردعهم، تحاولن التشبث بالصبية
المطلوبة لكن شدة ضرب الأمن لهن لا يسمح بإنقاذها

يأخذون الفتاة فتبقى كلماتها صدى في رؤوسهن، ويسود الصمت
المطبق على صدورهن صمت مطبق فقط صدى صوتها
يصدح ومرددا : “منشان الله لا تخلوهن ياخدوني منشان الله خليكون ماسكيني لا
تتركوني” .

تعود المعتقلة من التحقيق مغمى عليها مغتصبة بكل
وحشية بكل انعدام للإنسانية والدماء تستر جسدها العاري الصغير يحاولن مساعدتها لكن
دون جدوى.

لا تنسى رباب وجه ياسمين من حمص التي أعادها
الأمن من مكتب التحقيق أعادها شبه جثة مملخة مضرجة بدمائها وروحها تخرج ببطء شديد
فوق ألمها ألم الموت لم يتحمل جسدها الضعيف وحشية وشهوانية الضابط الذي لم يشبع
منها لدرجة أنه اغتصب روحها.

ماتت ياسمين أمام أعين المعتقلات اللواتي لا حول
لهن ولا قوة، سوى أصواتهن التي ملأت
المكان صراخاً والترجي بإحضار الطبيب أو
أي كان للمساعدة لكن لا حياة لمن ينادي، لا حياة ولا رحمة ولا إنسانية.

موت ياسمين كان صدمة وفاجعة للمعتقلات اللواتي
شاهدن كيف زفرت آخر أنفاسها، وكيف خرجت روحها تاركة جسدها المدمى المعذب كجسد
المسيح؟

لم يصدقن موت ياسمين، لم يصدقن مايحدث لهن كن
يعتقدن أنهن في خيال أو كابوس سينتهي يوماً من الأيام. “فلولا الأمل لخسرنا
أرواحنا معها” تتابع رباب.

تخرج رباب من المعتقل بعد عناء مرير لعائلتها من
رجاء ودفع للأموال لإخراجها، فوالدها قد أصيب بجلطة على أثر حزنه على رباب
ووالدتها قد أدمت عيونها من البكاء عليها، تخرج رباب وقلبها يتقطع على الشبان
والشابات المعتقلين في هذا الفرع السيئ الصيت، فهم مشاريع شهداء بعد أن يكتفوا
منهم بالفرع الذي لا يرحم.

تخرج، وتقرر السفر فهي أصبحت تخاف على عائلتها
على أصدقائها لن تتحمل اعتقال أي منهم فهي قد ذاقت ويلات العذاب والألم الذي لا
يوصف منه.

“قررت السفر من وحشية البلد فهي أصبحت مكان
رعب بالنسبة لي واصبحت اكره حياتي لا أعلم لا أعلم لمَا الله يسكت عن كل هذا الظلم
والألم حرام يالله والله حرام مستحيل أن
ننسى هذه الأيام التي عشتها أنا وعائلتي،
مستحيل لا أستطيع أن أصف وضعي وحالتي مهما تكلمت لن تكتشفي هذه المشاعر إلا إذا
عشت المعتقل في سوريا” تنهي عبارتها رباب بتلك الكلمات التي مازالت ترن في ذاكرتي،
وتزلزل داخلي، وتدفع بفيض من الحقد يخرج من أحشائي بركان بصيغة كلمات تروي البعض
القليل ممّا يحدث في زنزانات النظام المجرم.

شاهد أيضاً

النظام يقرّر إزالة 90% من حواجز دمشق

يعتزم النظام السوري، إزالة معظم الحواجز العسكرية والأمنية داخل العاصمة السورية دمشق وفي محيطها، وذلك …

النظام يعد بتسريع الأنترنت “أربع أضعاف”

وعد النظام السوري، بزيادة سرعة شبكة الانترنت في سوريا، بمعدّل أربع أضعاف زيادةً عن السرعة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

7 + eight =