الآن
الرئيسية / منوعات / قضايا ثقافية في الثورة

قضايا ثقافية في الثورة

عمّار الأحمد

الثورات العظيمة عملية تاريخية مستمرة؛ الثورة السورية
كذلك، ولأنّها كذلك لم تبقَ قضية واحدة في كامل تاريخ سوريا، قبل حدوثها ولم تطرح
في صيرورتها.

أبرز ما دار حوله الجدل، والذي شاع، وطغى في المقالات
والدراسات، قضايا تتعلق بأسباب الثورة، فهل هي ثورة حرية ضد الاستبداد الممتد
لعقود متتالية أم هي ثورة شعبية، وحدثت بزمن محدّد، من أجل واقع أفضل، وسببها
سياسات ليبرالية عمقت التناقضات الطبقية وفجرتها.

وقضية الطائفية ومسألة الهويات، الدينية والقومية، وهل
هي السبب في عدم انتصار الثورة، وهل هي ما منع الأقليات من الالتحاق بالثورة، وهل
فعلاً السُّنَّة، ولأنهم سُنَّة شكلوا جسد الثورة. وهل تعود الطائفية للدين ذاته
أم هي نتاج شروط تاريخية وبنيوية مرتبطة بدخول البلدان المخلفة التاريخ حينما دخلت
الرأسمالية طور أزمتها، فكانت الطائفية ظاهرة سياسية نتاج ذلك الطور لا نتاج
التاريخ القديم.

وهل أنّ العلمانية معادية للدين أم هي معنية بوضع مسافة
بين الدولة والدين، وتحييد الدولة تجاه كافة الأديان؟ وهل هي صالحة للغرب وباطلة
في الشرق؟، وهل يفترض إخراجها كمفهوم من حقل التداول الفكري والسياسي، أم هي وليس
مصطلح المدنية الضرورية، أي أن هناك اتجاهاً سياسياً وثقافياً يؤسس، ويحاول شرعنة
المدنية كنقيض للعلمانية. الأنكى أن تياراً ديمقراطياً، ربط بين الأقليات
والعلمانية، وبالتالي صارت العلمانية حجاباً للأقليات، بينما الأكثرية الدينية هي
العلمانية الحقيقية. وهذا يتداخل مع قضية الطائفية أعلاه.

مسألة الموقف من الوطنية، رفض الفكر الليبرالي القول
بها، وقام بالمساواة بين الاستبداد والاستعمار، وما داما متساويين فلماذا لا يأتي
الاستعمار، وينهي الاستبداد؟

هذا تفكير عاجز عن الفعل، ولكنه يتلاقى مع توجه شعبي
واسع أذلّ وأُهين بعد أن أفقر، وتساوت لديه الحياة والموت، فصار يطلب الخلاص، ولو
بوهم الاستعمار أو بالاستعمار. وإذا كان الأمر يمكن تفهمه من قبل شعبٍ، يعيش وضعاً
كارثياً، فإن التيار الليبرالي والديمقراطي بالعموم، يطرح رؤيةً قاصرةً ومحدودةً،
وعاجزة ليس أمام الديكتاتوريات، بل عاجزة حتى عن فهم العولمة الامبريالية، كطور في
تشكيلة تمنع تحقق أي تقدم حقيقي في كامل البنية الاجتماعية، وطبعاً البرجوازيات
المحلية هي أدوات ضمن هذه العولمة.

هناك رفض إسلامي للوطنية كذلك، ويتعلق بمنظار ديني، وهو
وهمي بامتياز، حيث يتجاوز الوطن والقومية والعالم، نحو عالم إسلامي، بينما الدين
لا يخرج عن حدود الشرط التاريخي لحركة المجتمعات، بدءاً من الوطن والقومية
والأممية، ويتأثر ببيئات الناس في شرطها هذا، وبالتالي سيبقى الإسلامي المصري غير
السوري والعربي غير الإفريقي وهكذا.

شذّ الماركسيون عن ذلك، وقالوا بوقائع العالم الملموسة
وبضرورة تغييرها، فالوطنية قضية متعلقة ببشر وأرض وبسلطة ومن أجل حقوق الناس، ولا
يمكن تخطيها دون شرط محيط مؤهل نحو تكتل أكبر قومي أو إقليمي أو دولي. وما يحدث من
تكتلات تحدث ضمن سياق سيطرة العولمة الرأسمالية، وهذه تحقق مصالح شركات كبرى ودول
محددة بعينها، وبالتالي يتحقق واقعياً شكل معين من الوطنية والقومية والدولية،
والشعوب تنال ضمن ذلك حقوقها العامة، وضمن ذلك ترفض الاحتلالات، وتمنع التساوي بين
الاحتلال والاستبداد، وتعدّ إنهاء الاستبداد مرحلة في طور الصراع لإنهاء الاحتلال،
وتعدهما قوتين قامعتين لحقوق الشعب العامة، وبالتالي لا يمكن للاحتلال أن يقف مع
حريات الشعب، وكل طبقة برجوازية حاكمة لن تكون معارضة للاحتلال بمرحلة معينة في
تاريخها وصيرورة تحولها، ويبقى هناك ميل ماركسي يرفض بضيقٍ كبير مفهوم الوطنية،
ويعتبرها ميلاً برجوازياً، ويعمل من أجل أممية ما.

موضوع الليبرالية وعلاقتها بالرأسمالية والديمقراطية. هي
قضية يكثر بها الجدال كذلك، ويرفع من الجدل وضع الناس والمفقرين ومشكلات العالم
الحقيقية بدءاً من قلة الموارد للأجيال القادمة إلى تمركزها حالياً بأيدي مجموعة
عائلات وأفراد على مستوى الكوكب، ولا يشذّ الإسلام السياسي عن الليبرالية في
الاقتصاد، وشذوذه يتم فقط في مسألة السلطة، ولمن وكيف تتشكل وعلاقة الشريعة
بالدستور والدولة؟

الماركسيون
يجدون أن الرأسمالية قوة عالمية تعيق تحقق الديمقراطية والليبرالية تغطى كل نهب
الرأسمالية للعالم، حين تشكلها والآن، وبالتالي لا يمكن تحرير الديمقراطية لتصبح لمصلحة
كل الشعوب، إلا بزوال الرأسمالية، أو بتقدم حركات الشعوب، كحركات العمال والعاطلين
عن العمل والفلاحين الفقراء، وحركات اليسار.

تقدم الديمقراطية كان يتحقق حينما تكون الحركات العمالية
واليسارية قوية وكلما تراجعت كلما تراجعت الديمقراطية. الليبراليون والديمقراطيون والإسلاميون
تعجز مخيلتهم عن تصور عالم بديل، وتحضر بعقولهم تجربة الاشتراكية كشموليات،
ويتجاهلون كلية مستويات أخرى في تلك الاشتراكيات، ويتوهمون الرأسمالية كـ “إله
كله خير”.

مسألة العلاقة مع الخارج، فهل ستكون هي الأساس، أم أن
الداخل هو الأساس؟

عُمّم تصورٌ أن الداخل لا يمكنه إسقاط النظام، ولا تسقط
الشموليات دون التدخل الاستعماري. الفكرة توضح غياب أي ثقة بقدرات الشعوب، وهذا
كان قبل الثورات، واستمر بعدها. الأمر الذي يوضح الاغتراب عن الواقع، ورفض الثورات
كثورات شعبية، والعمل على استثمارها من أجل انتقال في السلطة، يأتي بالليبراليين والإسلاميين
إلى السلطة.

العلاقة مع
الخارج هذه يرفضها الماركسيون وربما كل تيار فكري يتمعّن بالواقع، فهي تكون سليمة
بمقدار ما تكون نديّة، ويمكن الاستفادة من الخارج حينها وتطوير بنية الداخل،
وبغياب الندية في الاتفاقيات والعقود وسواها، تسود حالة التبعية، وتتكرّس عقلية أنّ
الآخر على حق، ونحن على باطل وضلال، وكل الخارج سليم وصحيح، وكل الداخل خاطئ
وفاشل، وحينها يتبرع التيار الليبرالي في العمل من أجل مشروع الخارج وتمكينه من كل
أشكال الهيمنة والسيطرة.

قضية الاقتصاد من أخطر القضايا؛ فعادة ما تُهمَّش، وتُبعد
عن ساحة الجدل، رغم أن هيئات المعارضة والباحثين الليبراليين والديمقراطيين ومعهم الإسلاميين،
وبعض اليسار المتلبرل، يؤكدون أن الحل لمشكلات الاقتصاد والبطالة وإحداث التنمية قضايا
غير ممكنة خارج سياق اللبرلة. يتجاهل هذا التيار أن سبب الثورات المركزي هو بالضبط
السياسات الليبرالية بالتحديد والمحمية من الأنظمة الديكتاتورية، في تونس ومصر
وسوريا وسواها؛ التجاهل غرضه إزالة كل العوائق المانعة للتحول الليبرالي الكامل.

الماركسيون
يرفضون ذلك، ويؤكدون بأن ما ينقل سوريا وسواها، هي وصول ممثلي الطبقات المفقرة
للحكم، حينها فقط يمكن إحداث تطور في الاقتصاد وإعطاء الدولة دوراً مركزياً،
واعتماد الديمقراطية كشكل للحكم ورفض كل
وجه للطائفية أو العرقية. الثورات قد لا تصل إلى أهدافها، ولكنها بالتأكيد تخلق
واقعاً جديداً، يسمح بذلك.

شاهد أيضاً

النظام يقرّر إزالة 90% من حواجز دمشق

يعتزم النظام السوري، إزالة معظم الحواجز العسكرية والأمنية داخل العاصمة السورية دمشق وفي محيطها، وذلك …

النظام يعد بتسريع الأنترنت “أربع أضعاف”

وعد النظام السوري، بزيادة سرعة شبكة الانترنت في سوريا، بمعدّل أربع أضعاف زيادةً عن السرعة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

two × five =