الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / فلسفة الخراب وجمال الثورة

فلسفة الخراب وجمال الثورة

*سامر
القطريب

لم تكن الثورة السورية
وليدة المصادفة، أو عملاً مغامراً لثلة من المتحمسين والمثقفين، الثورة دائماً وأبداً
تمثّل إرادة للحياة، “إرادة الشعب”. عندما يثور المجتمع، يعلن بداية تحرّكه
وتحوله وخروجه عن جموده السياسي والأخلاقي، المجتمع الثائر ليس مجتمعاً معافىً، والثورة
هي الفعل العلاجي لأمراضه.

من الظلم مقارنة الثورات العربية بالثورات العالمية
كالثورة الفرنسية على سبيل المثال، إن عدم الوقوف عند الظروف التاريخية ودرجة التطوّر
الاجتماعي المختلفة بين الغرب وبيننا يجعلنا نقع في ضبابية الرؤية، ونعاني خللاً في
رؤية المفاهيم التي تنتجها الثورة في بنيتها الاجتماعية. هذا ما تنتجه الحرب..

يرتبط الاستقرار حكماً
بالعملية الديمقراطية، وفي الحالة السورية لم يحضر الاستقرار لأكثر من أربعين عاماً،
الفوضى “المنظمة أمنياً” كانت هي العنوان الأبرز والعامل الأهم لاستمرار
الديكتاتورية، الفوضى المنظمة حضرت بأشكال عديدة منها؛ التفاوت الطبقي الذي ازداد بعد
استلام الابن للسلطة، الهوة الثقافية والفروق بين المدينة والريف المُهمّش، ومحاولة
تفتيت النظام للمجتمع، وإظهاره كتلة من الطوائف المتصارعة وهو الضامن لوجودها. جزء
من الثورة المسلّحة يأخذ معنى الحرب، وما تنتجه الحرب لا يشبه مالم تنتجه الثورة بعد؛
سياسة الفوضى التي أسس لها النظام تطفو على السطح مع ارتفاع وتيرة العنف والقتل،
صناعة الإرهاب، وتعاظم الخط البياني للفقر والعوز، النفوذ وسلطة المال أصبحا أساساً
للعلاقة بين أفراد المجتمع أنفسهم، سقوط مرحلي للقوانين والقيم الضابطة للمجتمع لتحلّ
مكانَها غريزةُ البقاء في ما يشبه السلسلة الغذائية للغاب.

الحرب تنتج، وتسوّق مفهوماً عالمياً للخراب. النظام
الذي تكوّن خلال أربعين عاماً هو رأس الخراب والفوضى، ويلائمه الحكم فوق الأنقاض،
وبينما تبقى الثورة قابلة للحياة كنقيض حتميّ لفلسفة الخراب، ينفي العالم “المتحضر”
تدريجياً صفة الثورة عن حراك الشعب، “الربيع العربي انتهى في تونس وليبيا ومصر،
أما الثورة السورية فتحولت إلى “أزمة” وحرب أهلية، وأخيراً لم تعد المأساة
الإنسانية مهمة في الإعلام الغربي ليصبح السوري عبئاً، وأرضه منطقة حاضنة للإرهاب والتطرُّف
الديني.

الجمال في الثورة السورية..
رؤية الثورة السورية بعين السلاح فقط ومراقبة تقدمه وتراجعه، تشبه نظرة البعض إليها
باعتبارها فعلاً وردَّ فعل بين الأكثرية والأقليات الطائفية في البلاد.

وبعد الأحداث السياسية والعسكرية بات من الضروري
إجراء قراءة جديدة للثورة. تكمن الثورة في التفاصيل، بداية بشعار “الشعب السوري
الواحد” الذي برز كمشروع سياسي واجتماعيّ أساسه المواطنة والعدالة الاجتماعية،
إن عرقلة التطور الطبيعي للثورة بات واضحاً وأدواته المال القذر ومرتزقة الحرب والسياسة.
تركت الثورة السورية منذ قيامها بصمة خاصة في التاريخ، انطلاقتها السلمية ورفضها لقوة
كانت أكبر منها وأكثر تنظيماً وقدرةً، لتكون الثورة إنتاجاً جمالياً يواجه بشاعة القيم
والمفاهيم التي أرساها النظام، وحكم من خلالها. ثار السوريون لتحطيم السجون والمعتقلات
بكل معانيها وإسقاط مصطلح الجرم عن الكلمة، وحاولوا خلق نظرية جمالية تكون نقيضاً لقباحة
السلطة وخطابها، رغم الخراب.

يتفاعل السوري مع الثورة، ويبحث عن هويته،
يتعامل مع الموت بكل نديةٍ، وكأنه أصبح خاضعاً للإرادة البشرية. من يرى المأساة السورية
يتخيّل شعباً فقدَ كلَّ شيء يربطه بالحياة، ولم يعد يملك غير ملء يده دماً.

تلك رؤية تدور في فلك الخراب ومنفصمة عن الواقع،
القراءة المجردة من الأهواء والأمراض النفسية(فوبيا الأكثرية،الأقليات ،الموت اليومي….)
تشرح العلاقة الجديدة مع الإنسان والأشياء المحيطة، الأنثى بنعومتها وقوتها أخذت دورها
كوطن بديل، العلاقة الحميمة مع الأماكن تأخذ معنى رمزياً، أما الوطن فهو أرض اكتُشف
وجودها، وعُرفت معالمها قبل عدة أعوام فقط. مازال الألم يتمدّد بحجم القلب السوري والوقت
مفتوح لأسماء العديد من الضحايا، مع ذلك تبقى خطوط الهزيمة بعيدة طالما آمنّا بقدرتنا
على الحب ورؤية الجمال الكامن في الثورة.

شاهد أيضاً

مسؤول لبناني: عودة العلاقات مع نظام الأسد ضرورياً لمصلحة لبنان

اعتبر نائب رئيس مجلس النواب اللبناني ايلي الفرزلي أن عودة العلاقات “أمراً حتمياً وضرورياً لمصلحة …

أردوغان يحذّر بوتين من الهجوم على إدلب

    حذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من السماح للنظام …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 − 8 =