الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / عيد العمال العالمي والسياسات الليبرالية الجديدة

عيد العمال العالمي والسياسات الليبرالية الجديدة

رانيا
مصطفى

يعود
الاحتفال بعيد العمال العالمي إلى مظاهرات الأول من أيار عام 1886 في شيكاغو،
والتي طالبت بتخفيض ساعات العمل إلى ثماني ساعات، وقُتِل فيها عشرات العمال على يد
الجيش الأميركي.

وكان هذا اليوم من كلِّ عام تقليداً ومناسبة
لاحتجاجات عمالية للمطالبة بتحسين الأوضاع في ذلك الزمن، الذي شهد تطوُّراً
صناعياً كبيراً وصعوداً للرأسمالية بصيغتها العولمية، وشهد بموازاة ذلك تطوُّراً
للعلم والفكر، وكلّ قيم الحداثة، ما شكّل وعياً سياسياً لدى الشعوب في العالم
الرأسمالي ترافق مع نشوء أحزاب يسارية، نظمت نضالات النقابات العمالية.

انتهت
تلك النضالات الدموية، بمساومة تاريخية بين الحركة العمالية والطبقة البرجوازية،
بعد أن قدّمت الحركة العمالية تضحيات كبرى؛ حيث اعترفت الطبقة البرجوازية ببعضٍ من
حقوق العمال، وتعدّلت أوضاع العمال المعيشية، وظروف عملهم، فيما توقفت النقابات
العمالية والمهنية، وكذلك الأحزاب اليسارية، عن مهمة محاربة الرأسمالية، بل في
كثير من الأحيان كانوا هم من يحمون ديمومتها، ويكتفون بحماية مكتسباتهم.

لم
تدم الحال كذلك، ففي كل مرة تتعرض فيها الرأسمالية لأزمات مالية عالمية، كانت تضع
عينَها على تلك المكاسب، عبر السعي لتطبيق إجراءات التقشُّف، وتقليص حجم دولة
الرعاية الاجتماعية، وتحطيم سلطة نقابات العمال.

وقد
تمكن رونالد ريغان من كسر قوة الدولة الكينزية في الولايات المتحدة الأميركية إلى
حدٍّ كبيرٍ، بقمعه الشديد لإضرابات عمال الحركة الجوية 1981، وكذلك فعلت مارغريت
تاتشر في بريطانيا مع إضرابات عمال المناجم 1984، حيث أغلقت المناجم بحجة حماية
البيئة، والواقع أنها أرادت تأديب بقية النقابات العمالية والمهنية في بريطانيا
وبدعم من الطبقة الوسطى التي انتخبتها طمعاً بامتلاك منزل في الضواحي، وحققت ذلك
بدرجة أقل مما هو عليه الحال في أميركا بسبب قوة الدولة الكينزية في بريطانيا.
بينما في السويد، البلد الرأسمالي الأوروبي، لم تتمكن السياسات الليبرالية الجديدة
من تحقيق الكثير، فحافظ العمال فيها على معظم مكتسباتهم. فيما تعاني الدول الأوروبية
التي تمكنت منها السياسات الليبرالية الجديدة كلياً أكثر من غيرها من آثار الأزمة
المالية العالمية في 2008، وتشهد تظاهرات عمالية وشعبية ضد سياسات التقشف والتكيف
البنيوي القاسي المفروضة على الشعب، مثل اليونان وإسبانيا…

في
دول العالم الثالث، ظل الوصول إلى الدولة الليبرالية الكينزية أمراً مستحيلاً،
بسبب اكتمال السيطرة الرأسمالية على العالم، وسيطرة طبقة ضيّقة من مافيات رجال
الأعمال على العالم عبر شركاتهم العابرة للقارات. في الوقت نفسه من السهل إغراؤها
بالولوج في عالم تحرير الأسواق وتطبيق السياسات الليبرالية الجديدة، عبر الاستفادة
من أزماتهاالسياسية فيها، كالحروب الأهلية، أو افتعالها، وإغراقهابالقروض وفق شروط
صندوق النقد الدولي، وبإشراف مباشر منه.

الدول
العربية التي كانت مغيّبة في أواخر القرن التاسع عشر عن كلّ قيم الحداثة، بفعل
الاحتلال العثماني لها، لم تنتج وعيها السياسي الخاص، فسرعان ما تقاسمتها دول
الاستعمار الغربي، عبر سايكس- بيكو، في سعيها لاقتسام العالم خلال الحربين
العالميتين، للخلاص من أزمتها المالية في ثلاثينيات القرن العشرين، حيث منابع
النفط، وذلك بعد دعم إنشاء الدولة اليهودية في فلسطين. ما شكل دولاً عربية قُدِّر
لها أن تكون تابعة، وتتقاسمها المصالح الرأسمالية العالمية.

فحُكِمت
الممالك والإمارات بحكم ملكي تابع مباشرة للغرب الرأسمالي، الذي يضمن بقاء
العائلات الحاكمة مقابل الحصول على إيداعات النفط في مصارفه. وحُكِمت الجمهوريات
بأحزاب قومية ويسارية مدعومة من البرجوازيات المحلية، حققت بعضَ التقدُّم في مجال
دعم الصناعة والزراعة وتحقيق بعض المكاسب للطبقة العاملة، ولعموم الشعب، كالطبابة
والتعليم المجانيين، وانتهت بحكم ديكتاتوري وشمولي وعائلي، بسبب الطبيعة الريفية
للفئات المسيطرة على الحكم، كما هي الحال في سوريا ومصر وتونس والعراق… تربعت
هذه العائلات الحاكمة في الجمهوريات والملكيات العربية على رأس الهرم السياسي
والاقتصادي.

قام
نظام البعث، ذو الحكم الشمولي في سوريا بتدجين نقابات العمال منذ السبعينيات، عبر
شراء ولاءات رؤسائها ببعض المكاسب، وعبر السيطرة الأمنية الكاملة عليها لتأخذ دور
الرقيب على الشعب، وليس على الحكومة. ومع ظهور طبقة رجال الأعمال الجدد بفعل نهب
القطاع العام، بات ملحاً لهؤلاء الضغط على الحكومة لتحرير الأسواق أمام البضائع
الأجنبية والتبادل التجاري، واتباع نمط اقتصادي ريعي يحقق الربح السريع
للمستثمرين. وقد تحقق ذلك إلى حد كبير منذ 2007؛ وبدأت سياسة التقشف وسلب
المواطنين مكاسبهم السابقة لسد العجز الحاصل في الحكومة جراء الأذى الذي حل
بالمنتوج السوري بسبب السياسات الاقتصادية الجديدة، والتي أدت بالمجمل إلى تراكم
رأس المال في أيدي فئة ضيقة من رجال الأعمال المرتبطين عضوياً بعائلة النظام،
وبالمقابل زيادة الفقر والبطالة، وزيادة العمالة غير الرسمية وغير المحمية من
الحكومة، ليزيد بالمقابل الاستغلال، لكنْ الاستغلال المحمي بالقانون، وتتبدد أية
فرصة لنشاط الطبقة العاملة الواعية بمصالحها.

بتأثير
تلك السياسات الليبرالية الكارثية انطلقت الثورة السورية، حيث الفقر في الوعي
السياسي والطبقي يرافق الفقر الاقتصادي الاجتماعي، وكذلك فقرٌ بالأحزاب الثورية
اليسارية، وجهل كبير من المعارضة بحاجات الشعب والثورة وبطبيعة النظام السياسي
الاقتصادي المسيطر وبالوضع الدولي الحالي. هذا ما جعل أفكار ومطالب الطبقة الوسطى
هي التي تظهر، والتي تتمثل فقط بمطلب الحرية من الاستبداد والديمقراطية الضعيفة
المقتصرة على تداول الحكم بين النخب السياسية عبر صناديق الاقتراع. وظل فقراء
الشعب والمحرومون غير ممثلين بمن يعبّر عن مطالبهم، أي غير ممثلين بأحزاب يسارية
ماركسية، حيث لم يأبه غالبية اليساريين الذين شاركوا بالثورة لأهمية تشكيل وعي
ماركسي وحزب يساري يقود تلك الطبقات، بل على العكس، ناصبوا الأمر كل العداء، لعُقَدٍ يحملونها نتيجة تجربتهم الحزبية السيئة. هذا
ما جعل هؤلاء الفقراء متروكين لمصيرهم من القتل والتهجير، ثم تحكُّم التيارات
الإسلاموية المختلفة، والإرادات الإقليمية والدولية، التي تتحكم عبر التمويل؛ فيما
فرَّ القسم الأكبر من ناشطي الطبقة الوسطى، طالبي الحرية والديمقراطية، خارج البلاد.

شاهد أيضاً

“اتحاد علماء المسلمين” يطالب المجتمع الدولي بوقف معاناة المدنيين في درعا

طالب “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” المجتمع الدولي، بإيجاد حلٍ لما يحدث في درعا، مُعرباً عن …

باحث إسرائيلي: إسرائيل لن تسمح بإسقاط نظام الأسد

كشف باحث إسرائيلي، أن بلاده لن تسمح بإسقاط نظام الأسد كونه يحمي حدودها منذ عام …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 − 3 =