الآن
الرئيسية / ثقافة / سيميائيات الدبكة الشعبية

سيميائيات الدبكة الشعبية

غريب ميرزا

الطقوس التي يمكننا أن
نصنفها بالرقص، من أقدم الطقوس التي عرفتها البشرية. يعتمد علماء الأنتروبولوجيا
على دراسة أشكال الرقص بكثرة، فهي تشكّل منظومة دلالية كاملة، تساعد على فهم هذا
الشعب قيد الدراسة، وكيف يتعامل مع الرموز العامة التي تتشاركها البشرية كلها،
كالجسد مثلاً.

في سوريا لدينا طقسُ رقصٍ
هام جداً، ومنتشر شعبياً، وهو الدبكة الشعبية.

تتشكّل الدّبكة الشعبية
بشكل حلقة، لا يوجد في مركزها منظم أو ضابط، فهي حلقة فارغة المركز. أو يوجد
أحياناً في المركز من يلعب دوراً ثانوياً، كالطبال مثلاً، أي أنه لا يشغل المركز،
فحلقة الدبكة تتكون من الإطار فقط.

تتميّز الدبكة الشعبية بما
يسمى “الأول” أو القائد المسؤول عنها، وهو الشخص الذي تبدأ الحلقة به،
تتميز حركاته عن حركات باقي أفراد الحلقة، فمن يقوم بدور “الأول” يقوم
بحركات أشد حيوية وأكثر نشاطاً بشكل واضح مقارنة بالباقي. وهو يملك مجالاً أوسع
وحرية أكبر في القفز والتمايل، لذا يعدُّ هذا المنصب مسؤولاً عن إيقاع الدبكة ونشاطها.
إذا كان الشخص المسؤول عن الأول ضعيفاً، فالدبكة ستكون باهتة، والعكس صحيح.

إذاً: تعتمد الدبكة الشعبية
على إيقاع موسيقي، وهو إيقاع يتفاوت من الحداثة غير الأصيلة إلى التراث الموسيقي
الأصيل والحديث. هذا الإيقاع بيولوجي، يترك في الجسم مباشرة إحساس الرقص والحركة، وهذا
ما يميّزه عن الإيقاع الآخر وهو “الأول”. الأول إيقاع شخصي، جسدي يحمّس
الآخرين على الدخول في الحلقة أو لا، يزيد من رونق الحلقة أو لا، فهو مرهون بالفرد
الواحد.

هذا الإيقاع الثاني يفرّق
الدبكة الشعبية عن الدبكات التي تقوم بها الفرق المسرحية، ففي هذه الدبكات، يغيب
دور الأول بشكل كبير أو نهائي، ويصبح هناك إيقاع واحد هو الموسيقي، الذي يستجيب له
الجميع بطريقة ما. كما إن هذه الدبكات المسرحية، لا تملك شكل الحلقة بشكل واضح كما
في الدبكة الشعبية.

الشخص الذي يقوم بدور
“الأول” لا يستطيع أن يستمر بهذا الدور طوال حفلة الدبكة، بسبب الجهد
العضلي الكبير الذي سيقوم به، لذا يُستبدل باستمرار، من شخص آخر، وهكذا.

كنت ألاحظ في الدورات
التدريبية التي تتم في سوريا، والتي تهدف إلى التدريب على الإدارة المفتوحة وفرق
العمل، أن المدرب يستخدم تشبيه سرب الطيور المهاجر. السرب المهاجر يطير بشكل سبعة،
الطائر الذي يكون في المقدمة أي في رأس السبعة، سيتلقى ضغط الهواء الأكبر، لكنه
يخفف الضغط على البقية، لذا يُستبدل بالتناوب. هنا نستطيع أن نفهم أهمية قراءة
طبيعة المجتمع، فمن المستغرب أن يُستعار سرب الطيور، في حين أن الدبكة تحتل موقعاً
أعمق بلا شك في اللاوعي الجمعي الخاص بالسوريين.

“الأول” يلعب دور
هذا الطائر تماماً، هو شرط أساسي للحلقة، الحلقة فارغة المركز، باقي أفراد الحلقة،
يعتبرون امتداداً لـ “الأول” وهم متساوون في الوظائف الراقصة، (ربما
لهذا السبب الدبكة الشعبية أقل غنى بكثير من الدبكة المسرحية التي يتم التدريب
عليها)، الأفراد الذين يشكلون الحلقة، يكونون متكاتفين، أو متشابكي الأيدي.وبالتالي
تبدو لنا حلقة الدبكة مثل جسد يخرج منه الرأس، ثم يعود إليه ويخرج بدلاً منه رأس
آخر من خلايا الجسد ذاتها.

هذا الجسد يحتمل الزيادة
الدائمة إليه، فالحلقة تتسع لكنها لا تغلق.

أن يكون قائد الحلقة، شيئاً
متحركاً، يملك قيمة رمزية تحيل إلى التغير أو إلى مفهوم الأمام، وهو ما يبرز حين
نقارنه بالمركز، الذي يحيل إلى الساكن والأبدي غير المتغير.

عناصر حلقة الدبكة الشعبية،
تمثل فكرة فرق العمل المعروفة بشكل فني، وهي طريقة جاهزة للتدريب على
الديموقراطية، من زاوية استقبال الشعب لها وتقبلهم لها، حين يتم ربطها بطقس قديم
وأساسي في ثقافته.

السلطة في سوريا وربما بلا شعورها
السلطوي في ظل حكم البعث، استخدمت الدبكة كثيراً في الاحتفالات القسرية التي كانت
تقام، بمناسبة انتخاب أو الاستفتاء على الرئاسة، والذي يفوز فيه دائماً الأسد الأب
والابن. وهذه الربط يساهم في جعل شخص الرئيس هو سبب لانعقاد الحلقة، وبالتالي يبدو
أنه يشغل المركز الفارغ، لأنه يستحيل أن يشغل “الأول” كرمز. فحين فشلت
السلطة في تفكيك “الأول” بسبب قدمه الثقافي من ناحية، وقوته المنطقية من
ناحية ثانية، عمدت إلى تسخيفه من خلال المركز الفارغ، الذي ملأته بشخص الرئيس.

شاهد أيضاً

وضوء الدم!

ركعتان في العشق لا يكون وضوءهما إلا بالدم، تلك إحدى تجليات صوفي خلع الخرقة وترجل …

الموسيقى العربية من العصر الجاهلي إلى التكنو الحديث في باريس

يجول معرض في باريس على تاريخ الموسيقى العربية في عهودها المختلفة، من الحداء في الجاهلية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

seventeen − 6 =