الآن
الرئيسية / ثقافة / سكاكين خالد خليفة “يثلمها” فرانكشتاين في بغداد

سكاكين خالد خليفة “يثلمها” فرانكشتاين في بغداد

ألكسندر أيوب

أحرق زوجته وأطفاله الأربعة، ثم انتحر بسكّين المطبخ
صارخاً: “إن الموت حرقاً أكثر شرفاً من انتظار الموت جوعاً “، سائلاً
بحرقة: “ألا توجد سكاكين في مطابخ هذه المدينة!؟”.

تلك إحدى الانهيارات الإنسانية، من رواية نُسجت
خيوطها في حلب، مع بداية الإنقلاب العسكري للبعث في الستينيات وحتى الألفية
الجديدة، وامتداد دولة البوليس بينهما، وارتكازها على الحزب الواحد والرمز الواحد،
منتجة ذاك الخوف والقمع الذي تشكلت فيه تلك العائلة، والبؤس الأخلاقي الذي سكن
أفرادها، واليأس المفضي إلى الرغبة في الموت، ليتحول الموت لوسيلة خلاص، أكثر منه
نتيجة .

هي تلك الأم الأرستقراطية الهاربة مع الفلاح، لتنزل
معه إلى الدرك الأسفل، فتدخل بتيهٍ ينتهي بسقوطٍ، يصل أثره إلى أولادها الأربعة،
رشيد، الموسيقي الحالم في البداية اليائس في النهاية، سعاد الغائبة والحاضرة
بذكراها، سوسن المتمردة العابثة بين الحياه والموت، والابن الراوي، والذي فضل
التواري بعيداً باسمه وشخصيته، واكتفى بالسرد لما حدث لأسرته، والخال المثلي.

لكل شخصية امتداد زمني خاص بها، وآخر تشتبك فيه
مع بقية الشخوص، كما لكل منها خط روائي واضح مُطعّم بالأحداث والمحطات المهمة،
باستثناء الراوي، حيث تسرد الرواية على لسانه كأحد أبناء المعلمة، والذي وجد في
السياق بلا اسم أو ملامح خاصة.

رواية أثارت جدلاً كبيراً، بعد فوزها بجائزة نجيب
محفوظ 2013، ومنافستها على جائزة البوكر، كأفضل رواية عربية، فمنهم من يراها تشويهاً
للمجتمع السوري، وآخرون ينظرون إليها كتصوير حقيقي لواقع مر، لا يعالج إلا بطريقة
الصدمة، وهناك من وجدها حكاية غير موحّدة الأحداث تفتقر الحبكة، وليست أكثر من سرد
لذكريات الشخصيات، بخلاف من يجد “خالد خليفة” مالكاً لأسرار الرواية
والحبكة، ورساماً بارعاً للشخصيات بكل تفاصيلها النفسية، والبعض اعتبر تعدد
الشخصيات وتفرعها بطريقة عنكبوتية، مجالاً لضياع القارىء وعدم تركيزه، في حين
تصفها أطراف أخرى بأنها رواية لا تصلح لقارىء كسول، إذ تتطلب الهدوء والتركيز والتعايش
مع شخصياتها القلقة، في الوقت الذي اعتبرها الكثير، تفوح بتفاصيل جنسية غير مبررة لا
تخدم النص الأدبي، بينما يراها غيرهم، قد كتبت بجرأة عالية، ورغبة قوية بالبوح،
والصياح، والفضيحة، منهم من انتقد فكرة الراوي المحتجب ومعرفته غير المبررة
لتفاصيل خفية في الشخصيات، وآخرون يرونها نوعاً من التجديد في أسلوب السرد الروائي.

رواية جدُّ غريبة، وما ينتابك من اختلاجات متناقضة
عند قراءتها أغرب، فهي أقرب للسياسي الذي يمثلك، مع أنك لا ترضى بذلك، أشبه بالدواء
المر، ولكن لابد من تجرُّعه، كالوحل بين تلتين لابد أن تغوص به لتصل الأخرى.

هذا ماوضعنا أمامه خالد خليفه، في روايته ” لا
توجد سكاكين في مطابخ هذه المدينه “، هذا آخر أعمال ابن حلب، الحاصل على
إجازة الحقوق من جامعتها عام 1988، ليرفد،” زمن الخديعة، بغداد زمن الحب
والحرب، ومديح الكراهية “برواية جديدة، شحذت سكاكينها ونافست على جائزة البوكر، التي لم تكن من
نصيبها في النهاية، لتفوز بها الرواية العراقية ” فرانكشتاين في بغداد”،
ربما لم تحصد رواية خالد خليفة الجائزة، لكنها حققت انتشاراً كبيراً في المجتمع
السوري والعربي، إذ صور من خلالها تاريخاً
بكل سجله من المرارة والقمع، موثقاً تلك المرحلة، مؤكّداً عدم موتها، “القوة والبطش لا يموتان، دم الضحايا لا يسمح للطاغية بالموت، إنه باب
موارب يزداد ضيقاً حتى يخنق القاتل”.

شاهد أيضاً

“مسرح البلد”.. إغلاق وبحث عن مكان جديد

تتعدّد الأسباب، لكن النتيجة واحدة؛ لا حماية تفرضها التشريعات للفضاءات الثقافية في معظم البلدان، حيث …

وضوء الدم!

ركعتان في العشق لا يكون وضوءهما إلا بالدم، تلك إحدى تجليات صوفي خلع الخرقة وترجل …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

thirteen + 4 =