الآن
الرئيسية / رأي / حوار مع “داعشي”

حوار مع “داعشي”

ثائر الزعزوع
يقودك بحث معجمي مطول عن الجذر “دعش” إلى لا شيء، فلا معنى لكلمة دعش في أي من المعاجم اللغوية العربية المعروفة، بدءاً من لسان العرب، وانتهاء بالقاموس المحيط. بينما يحيلنا شخص يطلق على نفسه تسمية  القعقاع المجاهد نصير المجاهدين إلى الآتي: 
بحث أحد المختصين فوجد أن معناها “الأرض الطيبة التي تنبت عندما ينزل عليها ماء السماء” ويرجو “نصير المجاهدين” كلَّ مختص، وعنده معجم أن يبحث عنها، ثم يضع بين قوسين العبارة التالية: (أعلنتم عداء الدولة سبحان الله ناصرها بإذن الله باقية وتمدد)
وقد انتشرت تلك المقولة “الخالدة” التي أوردها ذلك المجاهد الذي لا ملامح له، بين مناصري داعش ومؤيديها كي يستخدموها كسلاح يحاربون فيه أعداءهم الذين استخدموا تسمية “داعش” للسخرية من الدولة والتقليل من قيمتها، كما استخدموا فيما بعد كلمة “حالش” في إشارة إلى حزب الله الشيعي نظراً لما بات يمثله ذلك الحزب من كراهية في نفوس السوريين جميعاً.
عبر إحدى وسائل التّواصل الاجتماعي التي باتت ملحَ حياتنا اليومي، حيّاني شاب في مقتبل العمر مدافعاً بضراوة عن فكرة الدولة الإسلامية، وعن “أفكار” البغدادي أمير الدولة الإسلامية في العراق والشام، مستهجناً في الوقت نفسه تطاولي على “داعش” وقادتها من خلال مقالاتي، وبعض البوستات التي أكتبها بين الحين والآخر على الفيس بوك، وقد فاجأني دفاعه الشديد عن “الدولة” التي ستقضي على الفساد المستشري في بلاد باتت مرتعاً لك ما هو سيء وقبيح في هذا العالم، حسب قوله، وقد استخدم العبارة أعلاه للدلالة على الانتصار الذي أيد به الله تنظيمهم من حيث لا يعلم أعداؤهم، سألت الشاب مراراً وتكراراً هل تقرأ؟، وكان يردُّ بأنه يقرأ ما يشير به عليهم مشايخهم، وسألته: وهل يعلمك الإسلام أن تتبع أشخاصاً لا تعرفهم، ولا تعرف وجوههم أو أسماءهم الحقيقية؟ واستعنت خلال حديثي معه بالكثير من الآيات التي تدعم محاججتي له، وأظن بأني وفقت في جعله يلين قليلاً ويتخلّى عن تمترسه وراء فكرة التكفير التي بدأ بها كلامه معي، وشيئاً فشيئاً بدا أن نظرته للأمور مختلفة كلياً عما كنت أظنه، إذ كنت أظن أن هذا الشاب “التكفيري” غير قابل أبداً لأي نوع من أنواع النقاش، لكن تبين لي أن الغشاوة التي كانت على عينيه بدأت تنزاح وإن بشكل جزئي، ثم قال بيأس ما كنت أتوقعه، نريد أن ينتهي هذا الذبح وهذا القتل، بالبغدادي، بسواه، المهم أن تنتهي مأساتنا التي لا يعلم بها أحد.
يأس الناس هو الأرض الخصبة التي زرع فيها تنظيم ذو فكر جهادي تكفيري بذوره فيها، أضف إلى ذلك الجهل الذي يسيطر على الكثير من المناطق بسبب سنوات التجهيل المتعمد، وربط الحياة السورية بأسرها بدءاً من زراعة الشجرة وحتى تعليم القرآن بعائلة الأسد التي ألغت المجتمع كاملاً وحوّلت أيَّ نشاط مهما كان صغيراً، وغير مؤثر إلى مؤامرة تستهدف النيل من صمود أمتنا وممانعتها في وجه المخطط الصهيوني، ولذلك فقد أفرغت مجتمعاتنا من التواصل، ومن وجود شخصيات مؤثرة في مختلف المجالات.
 وعملت داعش وسواها على استكمال مخطط آل الأسد من خلال اختطاف واغتيال الكثير من الناشطين والشخصيات الدينية والاجتماعية التي تلقى احتراماً والتي كانت في بداية الثورة رموزاً وطنية، ورفعت تلك التنظيمات راية التهديد والوعيد عالية ضد جميع الكوادر الإعلامية والطبية، فخلت الساحة لها تماماً، ولم يعد في “الميدان سوى حديدان” يصول ويجول كيفما شاء، فتأثر الشباب “الخائف” بتلك الحالة  الإسلاموية المتصاعدة، وانصاعوا لتوجيهات الأمراء الملثمين، فصارت لغة القوة هي اللغة التي يفهمها معظم الناس الآن، طبعاً في مواجهة لغة القوة التي يشيعها النظام والذي لا يتورّع عن تدمير حي بأكمله في أثناء ملاحقة ناشط إعلامي، سلاحُه كاميرا هاتفٍ محمولٍ.
الشاب الداعشي قال بالحرف إن داعش تتلقى تمويلها من أفغانستان ومن العراق، دون أن يدقق قليلاً فيما يقول فما الذي تملكه أفغانستان لتمول داعش، وهل أن داعش هذه مرتبطة أصلاً بتنظيم القاعدة الموجود في أفغانستان؟ بالتأكيد الإجابة هي لا، إذ إن داعش لا تعترف بالبيعة لأيمن الظواهري، بل إن تغريدات أتباعها على تويتر تعدُّ الظواهري مرتداً، ولا يمثل الإسلام الصحيح، طبعاً الإسلام الصحيح وفق لغة البغدادي هو في تكفير كل من لا يسير في ركب داعش ومن لا يمتثل لتشريعاتها.
 وعليه فإننا جميعاً كفرةٌ وواجب قتالنا، وهو ما يحدث في الرقة التي تسيطر عليها داعش، وتعمل قوانينها فيها، معتبرة أن أحكامها قطعية، ولا جدال فيها، وقد تحوّلت الرقة خلال عام واحد فقط إلى مدينة خالية من ساكنيها، يصول فيها الداعشيون، ويجولون كيفما يحلو لهم، ولن نذكر هنا العلاقة الحميمة التي تربط داعش بالنظام والتي تمنعه من توجيه قذيفة واحدة باتجاه أحد مقراتها، وهو الذي لا يتورع كما أسلفت عن تدمير حي بأكمله للقبض على ناشط واحد.
كتب أحد المعلقين الإسلاميين: تدعو الدولة الإسلامية إلى الرجوع إلى الإسلام، والحقيقة أن الإسلام هو تقدُّم لا رجوع، ولا يمكن بأية حال من الأحوال قبول الرجوع.
عند هذه النقطة أتوقف على أن يكون للحديث بقية، وكل عقل نبي.

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 − one =