الآن
الرئيسية / رأي / جدار العار

جدار العار

عبد القادر عبد اللي
عندما بدأت إسرائيل ببناء الجدار الذي يتلوّى بين المناطق الفلسطينية فاصلاً بين أهل القرية الواحدة، ومُقَسّماً مزارعها نظمت العديد من المنظمات الإنسانية احتجاجات على هذا الجدار، وأُطلقت عليه اسم “جدار الفصل العنصري” ودخل قيود الأمم المتحدة بهذا الاسم… ما مناسبة إعادة فتح موضوع الجدار؟ 
بدأت السلطات التركية بإنشاء جدار من الإسمنت المسلح بسماكة ثلاثين سنتيمتراً، وارتفاع ثلاثة أمتار وعلى طول ألف ومائتي متر جنوب ناحية الريحانية القريبة من معبر باب الهوى. 
قبل فترة قريبة –في شهر شباط من هذا العام- بنت السلطات التركية حاجزاً من مواد مختلفة، قالت إنّها لا تمرر الرصاص، ومنها أكياس الرمل. يبدو أن هذه الموانع لم تمنع عبور نشطاء التهريب، فلجأت السلطات إلى اتّخاذ هذا القرار. أي أنَّ الجدار الحالي جاء مرحلة جديدة أكثر تطوُّراً من المرحلة السابقة التي بُنيت فيها موانع متحركة، وإذا كان الجدار يبنى بحسب تصريحات المسؤولين الأتراك بشكل قابل للإزالة، أي دون أساسات، فإن العملية ستبدأ بمائة وخمسين جداراً مسبق الصنع حالياً، لم يرفع أحد صوته قائلاً: جدار العار” يبدو أن الذين استحوا لم يموتوا بعد، وأننا نخجل من أنفسنا لأننا ساهمنا بشكل أو بآخر بالدفع نحو هذه العملية.
ما الأسباب التي جعلت تركيا تبني هذا الجدار؟ الجواب الرسمي هو: “التهريب”.. 
بالطبع لا يمر يوم تخلو فيه الصحافة التركية من خبر عن إحباط عملية تهريب، والمواد المهرّبة هي كل شيء بدءاً من السجائر وصولاً إلى الآثار، ومروراً بالوقود، وقد كُشف عدد من الأنابيب الممدة تحت الأرض عبر أنفاق لإيصال مادة المازوت إلى الداخل التركي… لماذا لم تستخدم موهبة حفر الأنفاق على نطاق واسع في عمليات عسكرية مجدية؟ العلم عند مديري البنوك على ما أعتقد. 
كلما فتحنا التلفزيون على إحدى القنوات التي تساند الشعب السوري في محنته/ ويسميها إعلام الولي الفقيه المشاركة بسفك الدم السوري، نسمع الصرخة التي يرددها الجميع مثل لازمة في نشيد: “العالم يقف ضدنا”… هل خطر ببال أحد أن يسأل” : لماذا يقف العالم ضدنا؟” عندما يشتم “الناشطون الإعلاميون وغير الإعلاميين” العرب والغرب والعالم كله لعدم مؤازرته الشعب السوري في محنته، ألا يحق لنا أن نسأل: “هل نؤازر أنفسنا؟ 
عندما تُعلن إحدى الجمعيات الخيرية التركية عن حملة إغاثة للسوريين، يهرع الأتراك لتقديم ما يستطيعون لإغاثة أخوتهم السوريين، يضع أي سوري نفسه مكان أولئك المتبرعين، ويفتح الجرائد ليقرأ عن التهريب، وحوادث الاصطدام مع القوى الأمنية والعسكرية التركية أثناء هذه العمليات، طبعاً سيقول في المرة الأولى والثانية والثالثة… وحتى العاشرة إنها عمليات فردية، وكل شعب لابد وأن يضم بعض ضعاف النفوس المتاجرين بدم أشقائهم، ولكن الحوادث لم تعد عشرات، بل تجاوزت المئات وحتى صارت تُعد بالآلاف … ولا يخفى على أحدٍ الفاقد الاقتصادي الكبير نتيجة التهريب. فالمواد المهربة غالباً من تكون مدرجة في أعلى سلم المواد التي تحقق الدخل الضريبي الأعلى للحكومة، ومنها على سبيل المثال السجائر… أي أن الحكومة التركية تخسر مئات الملايين من أجل أن يحقق بعض تجار الدم مئات الآلاف من الدولارات.
لفتني أمرٌ غريبٌ حقاً هو أن المشروبات الكحولية لا تدخل ضمن المواد المهربة نهائياً علماً أنها تحقق ربحاً لا يقل عن ربح السجائر والمحروقات، ويفوقها أحياناً، وسوقها رائج جداً.
ما السبب يا ترى؟ ليس لدي دليل واضح على الأمر، ولكن يبدو أن “الثوار” لا يتهاونون بتمرير المشروبات الكحولية، كما لا يتهاونون بتمرير فتاة مكشوفة الرأس، فهذه بالنسبة إلى عقيدتهم كبائر تؤخّر النصر على قوى الكفر والشرك، ألا يعني هذا أنهم يحللون تهريب المواد الاستهلاكية التي تحمل ضرورة حياتية لآلاف الناس، ويتخذون إجراءات صارمة لمنع مرور المشروبات الكحولية؟ أطرح هذا السؤال غير البريء من باب التحليل.
طبعاً التحليل السياسي والاقتصادي وليس التحليل الديني.
إذا أردنا أن نعمل مسحاً لأسباب تأخُّر النصر التي يطرحها “النشطاء” لن نجد بين هذه الأسباب “التهريب” فهذا في عقيدتهم لا يؤخر النصر على ما يبدو… ولكن ما هو موقف المواطن التركي البسيط الذي يشارك شقيقه السوري بما يستطيع تعاطفاً مع مأساته؟ ما هو دور التهريب في تحقيق الأهداف عندما تطغى أخبار التهريب على أخبار براميل الموت؟ هل يُعجّل بالنصر؟ 

شاهد أيضاً

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

اعترافا بالهزيمة في سوريا .. وانكسار النظام

هذه المرة، لا أكتب مقال رأي سياسي، بل أبوح بحجم الهزيمة المرّة التي تعتصر صدورنا، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

six + nine =