الآن
الرئيسية / رأي / النظام الراشي في السلطة

النظام الراشي في السلطة

عرف
نظام بشار الأسد، أو من يقف معه ووراءه، كيف يقرأ السياسة والجغرافيا على نحو
نفعي، فسخر، وقايض، وأجر وباع، مستغلا كل ما يمكن، بمنظور سياسي غير مكبل بأي قيود
من تلك التي تمت للوطنية أو الأخلاق بصلة، فكسب، جولة على الأقل، في حين لم يعرف
مراهقو السياسة على المقلب الآخر، طريقاً لا إلى السياسة ولا حتى إلى الوطنية،
فتاهوا فيما بينهما، لينتجوا فكراً وممارسة مشوهتين، أضرتا بحلم السوريين المنتظر
منذ عقود، وقد توصل إلى ما هو اسوأ، إن فكروا ببيع بضاعتهم الفاسدة، التي ستسمم مستهليها،
ولن تعود عليهم، وربما على الشعب والثورة، بغير “الغش والتدليس
ليست ردة فعل أو لأن حائط المعارضة واطئ،
ويتسلقه من يشاء، بقدر ما هو حق لكل الحالمين السوريين، لفضح من سرق تمثيلهم عنوة،
فخان أمانة الأجيال، وأوصل ثورتهم لطريق مسدود، بعد خسارة الحلفاء والمؤيدين وحتى
روّاد الثورة الذين اضطروا تحت ضربات الأمر الواقع، للجنوح صوب
“لاهوتيات” قد تكون الطريق الأقرب وربما الوحيد، لبقائهم على قيد الأمل
والعيش والاستمرار.

قصارى القول:
بدأ النظام، وعلى نحو أفقي، بممارسات عدة، قد تبقيه وإن لأجل، على كرسي السلطة المتوارث،
فقايض بالسلاح الكيماوي قتلى الكيماوي
،وباع الثروات كرمى دعم السلاح والمال..وأجر الوطن لنكوصيي الفكر الشيعي، الذين
يمتطون الروحانيات، لتسويق حلمهم الفارسي الإمبراطوري، ويقتصون من أعداء الأمس.
وتابع نظام
الأسد على المستوى المحلي، فزحف دونما أي وازع إنساني أو قيمي يلتزم بهما حتى
الأعداء بالمعارك، ليكسب من الأرض ما يبرر مشروعه ويتناسب والحملة التي تقودها عنه
شركات محترفة، تسوّق الثورة حرباً. فبدأت “المناطق المحررة” تتهاوى
كحجارة الدومنيو، وبدأت رائحة العفن تزكم أنوف اللاجئين والمنتظرين حلماً بعيش
يضمن الكرامة والحرية والعدالة في منح الفرص وتوزيع الثروة، وهي-الأسباب- ما دفعهم
ليثوروا رغم يقينهم منذ البداية، بأثمان ثورتهم، على نظام مستبد بنى دولته العميقة
وفق معايير ضيقة لا تمت لما يروج إليه بأي صلة.
وفي الآن عينه، بدأت الآلة الإعلامية الممانعة،
محلية كانت أو اقليمية مساعدة بحكم وحدة الدم والهدف، أم حتى دولية مأجورة، تعزف
على نغمات
القائد
التوافقي والضامن” بعد الخلاف الذي نشب مع بعض أصحابها ومموليها الشهر
الفائت، فحتى التلفزات اللبنانية، عاودت الترويج للمرشح السابع بطرائق إعلامية
احترافية، في حين تخلت الأبواق التي غررت بالسوريين، حتى من أبسط التزامات المهنية
. ومن هاتيك السلع التي سترمى في سوق المتلقين قريباً،
عدا سوريا العلمانية الثائرة على التطرّف أو وحدة الأرض وطرد الغرباء، سلعة معيشة
المواطن السوري وتحسين شروطها، بعد وقوفه إلى جانب”سيد الوطن” في حربه
الكونية.

أجل ثمة مشروع
لدى وزارة المال السورية، سيفرج عنه قريباً، بهدف اكتمال الحملة، يقضي بزيادة أجور
العاملين بالدولة، أو بشكل أدق، من تبقى منهم، بعد فصل العاملين المؤيدين للحرية،
أو حتى التابعين لمناطق تؤيد لها
. والمشروع
بحسب ما بدأت تروّج بعض وسائل إعلام النظام، وإن تلميحاً، سيقضي إلى رفع الرواتب
والأجور للعاملين في الدولة بنسبة 50% بهدف تحسين الوضع المعاشي
.أما
إن تعاملنا مع هذا الخبر من منظور اقتصادي، والذي يبقى ضمن خانة الشائعة ريثما
يصدر، فيمكننا القول إن تلك الخمسين بالمئة لن تعوض الموظف السوري ثلث ما فقده عبر
التضخم الذي ناف 150% منذ آذار 2011، كما أن تلك الزيادة-فيما لو حصلت- ستكون من
جيوب السوريين أنفسهم، فزيادة سعر المشتقات النفطية التي حصلت، أو تلك المتوقع أن
تحصل بالتزامن مع كذبة زيادة الرواتب، يمكنها أن تغطي كامل الزيادة، وربما ترفد
الخزينة ببعض وفر، بعد فقدانها مواردها ومعاناتها من العجز.

لم
نأت اتهاماً على وصف الزيادة بالرشى، لأن نظام الأسد الذي يتعاطى والشعب السوري
على أنه مالك للأرض والمقدرات وما السوريين سوى عمالة في مزرعته، اعتمد هذه
الطريقة مذ اندلعت ثورة الكرامة، ولعلنا نذكر مرات اللعب على وجع حاجة السوريين
وتجويعهم، فكانت آخر زيادة على الرواتب في عام 2013 بـ 40
% على 10 آلاف الأولى من الراتب أو الأجر الشهري, و20
% على 10 آلاف الثانية و10 % على 10 آلاف الثالثة و5 % لمن يزيد عن 10 آلاف
الثالثة
. سبقتها
زيادة تزامنت مع شرارة الثورة، قضت بزيادة الرواتب والأجور الشهرية المقطوعة 1500
ليرة سورية للراتب المقطوع، يضاف إليها زيادة قدرها 30% من الرواتب والأجور
المقطوعة دون الـ 10000 ليرة شهريا، وزيادة قدرها 20 % من الراتب أو الأجر الشهري
المقطوع والبالغ 10000 ليرة سورية فما فوق،
نهاية القول: يبدو أن السوريين بدأوا يتخلون عن
ذاكرتهم وأسباب ثورتهم، في حالة أقرب ما تكون لردة الفعل على الخيارات التي تأتت
عن ثورتهم، أو التي تسوّق أنها خيارات، ففي حين فقد السوريون، حتى المغيبين منهم
والمؤيدين لنظام الأسد، بيوتهم وممتلكاتهم وحتى بعض أرواح أهليهم، ربما يرون في
زيادة الأجور غداً عطاء عظيماً من قائد تاريخي منتصر، وهي الحالة الأخطر التي
ستواجه سوريا المستقبل، وليس سوريا الثورة فقط، فأن يبقى السوريون يسبحّون بحمد
المغتصب، ويرون في بعض حقوقهم منّة وعطاءً، فتلك هي الخيبة التي قد تهدد بعدم
نجاعة كل الدم الطاهر الذي سفك على أرض الوطن وتعيد السوريين إلى دائرة العبودية
المغلقة.

عدنان عبد الرزاق

شاهد أيضاً

الحقائق مخاليق عنيدة

الحقائق مخاليق عنيدة قاهرة؛ مهزومٌ من لا يواجهها، ومنتصرٌ من يتدبَّر أموره معها في لحظات …

جلال بكور

المفاوضة بالسلاح أو على السلاح

أن تفاوض في مرحلة القوة وقرب إحراز النصر يعني أنك تريد أكبر مكاسب بأقل ثمن، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

fifteen − 10 =