الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / المنهجية الفكرية في حزب الجمهورية الهوية والأصالة نموذجاً

المنهجية الفكرية في حزب الجمهورية الهوية والأصالة نموذجاً

مضر الدبس

تثير قراءة وثيقة الرؤية الفكرية لحزب الجمهورية أمراً في غاية الأهمية يتعلق بالسياق والمنهجية أكثر مما يكمن في التفصيل رغم أهميته الكبيرة، يتعلق بمنهجية البحث عن الحقيقة وطرق المقاربة المؤدية لها. وتتجلى هذه الأهمية واضحة عند قراءة واقع العقل الثقافي والسياسي السوري المرتبك في الطرق التي يستند إليها في المقاربة والاستناج والبناء الفكري، وخصوصاً منذ بدء الثورة. ولذلك ربما يكون من المفيد النظر في روح هذه الوثيقة، وفي تناولها كعامل يحفز العمل العقلي من أجل مراجعة منطقية للدلالات في ثقافتنا وفي نمط تفكيرنا الحالي، ومن أجل بناء التشبع المعرفي الجديد للكلمات والمصطلحات وفق متطلبات واقعنا الاجتماعي والسياسي لنصل لبناء مفاهيم اكثر تماشياً مع الزمان والمكان.

تتّسم الوثيقة عموماً بطريقة التفكير المرنة غير المؤدلجة، تكون أقرب لقارئها كلما كان أقرب للموضوعية وكلما ابتعد عن الأحكام المسبقة واستبدلها بالتوصيف العلمي المسؤول، فالمنهجية العلمية السليمة تتطلب انفصالاً يقظاً عن الذات بهدف بناء ذات أكثر موضوعية في النظر للأمور، وهذا من أهم ما يمكن أن نلمسه في روح الوثيقة بالعموم، وربما يكون هذا التحلي بالموضوعية مسألة ضرورية لمن يوافق على محتوى هذه الوثيقة، بما يتضمنه من الحاجة المستمرة للتدريب المتواصل والتثاقف البنَّاء المنفتح على الآخر بعيداً عن التعالي مهما كان نوعه أو دافعه. من هذا المنطلق اخترت تناول مفهومي الهوية والأصالة ضمن السياق العام للوثيقة في سبيل الفهم والاقتراب من منهجها. فنجد أن عناصر الهوية تتشابك وتتقاطع وتتداخل على أكثر من سلم مرجعي أو قيمي، ولذلك لا يكون الاختيار السليم على قاعدة الانتماء العرقي أو الإثني أو الديني إنما استناداً لأسس فكرية، وعلى اعتبارات جمالية. ومن هنا إذا كان لا بد من الانتماء فليكن لثقافة حيّة، لا نختزل فيها الهوية في بعد واحد فيسجن المرء نفسه في ما ليس هو، وليس من الصحيح الانتماء لخزان ثقافي مغلق يلغي الطابع المركب للهوية، ويطفي عليها سكوناً فيما التغيير هو من أبرز سمات الهوية الصحية، فتلك الهوية الثابتة الجامدة التي تتعالى على التاريخ وسنن التطور ما هي إلا أسطورة. وتشكّل الثقافة في الواقع وسط التذاوت فتكون الحقل الذي تتشكل فيه الهوية، والثقافة هي منهجية تفكير وعمل وشعور ترتبط بالطبيعة وبالإنسان والمطلق. مما سبق يمكن طرح منطقية التمييز بين سؤال الهوية وأزمتها فسؤال الهوية يحيل إلى عملية تشكل إنسانية مستمرة عبر التاريخ ذات طابع كوني وتنظر للمستقبل، فيما تكمن أزمتها في تأصيلها المرتبط بالماضي أو المقدس الذي يتعالى على قوانين التطور والتاريخ. تنشأ هذه الأزمة من حقيقة تغليبنا للفكر الدفاعي على الفكر النقدي في لحظة معينةفكانت نظرتنا إلى أنفسنا وإلى تاريخنا وإلى الآخر والعالم نظرة خاطئة تقوم على الحاجة الشديدة إلى تعويض الشعور بالنقص إزاء الغرب الذي فرض نفسة علينا بتفوقه وعلمه وثقافته. ولا يمكن إزاء ذلك أن نتوقع نهضة أو تغييراً من دون تجاوز هذا الموقف الدفاعي، والذهاب نحو التعامل النقدي مع الثقافة الغربية وإنجازاتها بلا عقد النقص التي مازالت تتحكم بنا“. إن مقاربة سؤال الهوية على أنها ثابتة وتكونت في مرحلة ما من التاريخ وليس علينا إلا أن نعود لهذا الأصل، بغض النظر عن الحاضر والمستقبل، لا يمكن أن يأتي إلا باستنتاجت وهمية وأفكار من قبيل خلود الرسالة والسلف الصالح، ويساهم في إنتاج وإعادة إنتاج الاستبداد وعرقلة أي تقدم ديمقراطي. وتبرز الضرورة في طرح سؤال الأصالة أمام سؤال الهوية كضرورة منطقية، فالهوية ذات البعد الأحادي تطرح الأصالة على أنها صفات الشخصية الأساسية ( أي السائدة والأولية في الأصل ) وكل شذوذ للفرد عنها، وإن كان ينحو للتطور، هو مُدان و يضع صاحبه في مواجهة مجتمعه. فيما الأصالة بالمفهوم الأصحّ والأمثل والأصلح، هي التي يتوحد فيها النشاط الفردي والتنوع المتعدد الأوجه، وهذا ينجم عن الحرية وتعدد المواقف وهما شرطيّ تحقيق فردية القوة والتطور. وليست العادات والتقليد والانغلاق أمام الآخر من يصنع أصالة الفرد أو يحقق تطُور أبناء جلدته، بل هي الحرية في ممارسة الاختيار، دون أي تقديس لأحكام أيديولوجية يضع نفسه رهن سيطرتها واستبدادها. فالقدرات الإنسانية في الإدراك، وتكوين الأحكام، والشعور التمييزي، والنشاط العقلي، وحتى التفضيل الاخلاقي، تُمارس فقط عند القيام باختيار، والشخص الذي يفعل أي شيء كان، فقط لأن تلك هي العادة، فهو لا يقوم بأي اختيار. إن الأفراد، والمجتمعات، تحت نير هذه الأدلوجة هي أشبه بوصف ستيورات ميل للفرد حسب ما تريده النظرية الكالفينيّة، فبموجبهماإن الجريمة الوحيدة لدى الإنسان هي الإرادة الذاتيّة“. ذلك ليس بالعمق إلا استبداداً فكل ما يسحق الفردية هو استبداد، مهما اختلف الاسم الذي يطلق عليه، سواء أكان يزعم تنفيذ إرادة الله أو أوامر البشر. من هنا، وعلى صعيد الأصالة الاجتماعية، ربما تكون النظرة النقدية للتراث والتي تتخلص من البعد القدسي هي الأمثل في التعامل مع هذا التراث، هي نظرة متحررة من حدين نقيضين: النزعة التبجيليةالتقديسية، و النزعة الإنكاريةالاحتقارية.

بشكل عام يتطلب التطور في دائرة السياسة والثقافةانفتاح على المستقبل، وحركة دائمة نحو آفاق جديدة في العمل والمعرفة، وهذا معنىالحداثةالذي قدمته الوثيقة كبديل للمناهج التقليدية القديمة التيعلى الرغم من حملات أصحابها البليغة على الاستعمار الفكري والغزو الثقافي، ودعوتهم المستمرة للأصالة، فإنهم كانوا يصلون في المآل إلى التصالح مع الغرب الإمبريالي“. وتشرح الوثيقة واقع نخبنا الفكرية والسياسية الكبرى عندما حاولت معالجة سؤال النهضة والنزوع للتقدمفهناك تيار الأصالة والتراث الذي ذهب نحو الماضي ينشد فيه الإجابات على اسئلة الحاضر، والتيار التغريبي الذي وجد في الغرب وتجربته كل الإجابات على اسئلة وإشكاليات واقعنا. وهناك التيار التلفيفي أو الانتقائي الذي حاول التوفيق بين الأصالة والمعاصرة. وفي المآل، ومع بداية القرن العشرين، وصلت هذه التيارات إلى طريق مسدودة تجلت في الحضور الفاضح للشيخ الظلامي والليبرالي الاقتصادي والمستبد القومي في الوعي والواقع، وشكلت جميعها منظومة واحدة قوامها الاستبداد والإقصاء والإرهاب ومعاداة الديمقراطية والحداثة وحقوق الأفراد“.

نقرأ فيما سبق كله منهجية تأخذ الفكر والاستنتاج من الواقع، فتقدم فكر الواقع: “المتكون من قراءة الواقع بموجوداته واحتمالاته الممكنة، من قبل الذات الحرة القادرة على نقد مبادئ الفكر ومقولاته وإنتاج مفاهيم حديثة، وتحديث القديمة لتوافق تغير الواقع إلى ما لا نهاية..”، بعكسالأيديولوجيات والأنساق المطلقة التي تشتق الواقع من الفكر، وتجعل منه وجوداً جوهرياً سامياً يتعالى على التاريخ وعلى سنن النمو والتطور. فتقدم الوثيقة منهجية تقوم على جدلية العلاقة بين الفكر والواقع تقوم بفهم وتحليل العقل الأيديولوجي المتصلب الذي أنتج مصطلحات مثلأمة عربية واحدةوأمة إسلاميةوأممية بروليتارية“…وتحليل النتاج الأيديوجي الذي حولسلطة الفكر إلى فكر السلطة،سلطة الثقافة إلى ثقافة السلطة،سلطة الدين إلى دين السلطة“…وتسعى بذلك للاقتراب من الحقيقة التي هيمطابقة الفكر لموضوعه وتوافق حركته واتساقها مع حركة الواقع ومنطق التاريخ“. وبذلك نميز بين سياسة يضعها الفكر بصفته فكر الواقع، وبينسياسة تضعها العقيدة أو الأيديولوجيا، بوصفها منظومة مغلقة ورؤية ذاتية، بل ذاتوية إلى العالم وتاريخه وإلى المجتمع الإنساني“. هي دعوة الانتقال من الوعي الأيديولوجي ذي الطرح الدوغمائي الذي ينظر إلى الواقع على أنه مؤلف من لونين أسود وابيض ويرى الحقيقة مطلقة، إلى الوعي المقارب الذي يرى الواقع كما هو متعدد الألوان ويتوافق مع الاهداف والحاجات ويرى الحقيقة نسبية ومتغيرةوما أحوج السوريين لهكذا نمط من التفكير.

شاهد أيضاً

أردوغان يحذّر بوتين من الهجوم على إدلب

    حذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من السماح للنظام …

استئناف “مفاوضات درعا” بوساطة أردنية

أعلن المعارضة السورية المسلّحة، المُقاتلة في محافظة درعا جنوب البلاد، عن استئناف المفاوضات اليوم الأحد، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 + seven =