الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / المجتمع المعرفي ومجتمع النهضة

المجتمع المعرفي ومجتمع النهضة

*طريف العتيق

منذ
انطلاق ثورة الحرية والكرامة في الخامس عشر من آذار عام 2011، كَثُرَ الحديث في
أوساط الشباب الثوري حول (سوريا الجديدة)، وتحقيق ريادة اجتماعية لمجتمع غاب عن
الخارطة الحضارية لعشرات أو ربما لمئات السنوات، يصوغ البعض ذلك بعبارة الوصول لمجتمع
النهضة، وللأسف فإننا كثيراً ما نقع بمطب المطالبة بالنتائج، بدلاً من توفير
الأسباب والمقدمات اللازمة لها.

فمجتمع
النهضة الذي نتحدّث عنه لا يمكن أن يأتي من فراغ، وعند البحث عن الأسباب والمقدّمات
لنهوض الأمم نجد أن العنصر المعرفي، هو الحاضر على رأس القائمة، والأكثر إهمالاً
لدينا اليوم.

ورغم
كل ما ندبّجُه من مطوّلات عن أهمية العلم في بناء المجتمعات، وحثّ الدين على طلب
العلم، وكيف أن (اقرأ) هي الفرض الأول… الخ، فإن ذلك كله لم ينعكس واقعاً لدينا،
ولم يخلق أية فضاءات حقيقية يمكن التّعويل عليها لبناء مجتمع معرفي (لأن مجرّد
الكلام عن الأهمية لن يفعل ذلك).

الفشل
المعرفي العربي يمكن رصدُه في أشكال كثيرة لا حصر لها، فالمحتوى العربي على الشبكة
العنكبوتية على سبيل المثال، لا يتجاوز
2,5%
(حسب تقرير الأمم المتحدة الأخير الصادر في
10 نيسان الماضي)،
وبحذف المكرر والمواضيع الترفيهية والحضور في التواصل الاجتماعي فإن النسبة
المتبقية ستكون مجهرية صعبة الرصد!

على
الصعيد السياسي، مازلنا نعاني أيضاً من عقلية عاجزة عن ابتكار نظام سياسي مناسب
لمقوّماتها وسياقها، إذ ينقسم الشارع العربي بين من يريد أن يستنسخ التجربة
الغربية في الحكم كما هي، وبين من يريد أن يستنسخ تجربة القرن الأول الهجري في
الحكم كما هي! ولا أحد قادر على إنتاج معرفي- سياسي جديد مناسب للمساقات السورية
وخصوصيتها.

ما
يقال في السياسة يقال في الطب كذلك، بغياب أية اكتشافات أو ابتكارات أو فتوحات
طبية عربية تسهم في تحسين الصحة العامة وعلاج الأمراض بطرق أكثر يسراً، وأجدى
فاعليّة، إن أقصى ما يمكن أن يقوم به الطبيب العربي هو إتقان تطبيق كل ما تعلمه من
معارف ومهارات الآخرين، لكنّه عاجز عن إنتاج أي جديد في هذا السياق أو الإضافة
عليها.

وهذا
أيضاً ما نراه في التعاطي الديني، الذي لا يزال منغلقاً على فهمٍ للنصوص الدينيّة
عمره تجاوز الألف عام، دون امتلاك الجرأة أو القدرة على قراءة معاصرة لنصّ نكرر
فقط أنه صالح لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، دون أي تطبيقٍ أو تجلٍ لهذه الصلوحية.

ولا
داعي لإطالة الحديث في المجالات الهندسية والعسكرية والثقافية المختلفة، ولربما
الاستثناء الوحيد، والخجول هو في المجال الفنيّ والأدبي حيث تشهد الساحة إبداعات
فردية هنا، وهناك بين الحين والآخر.

لقد
أنجب الوطن العربي في القرن العشرين أكثر من ألف شاعر، لكنه لم ينتج عالماً واحداً!
ومن هنا الحديث عن الفشل المعرفي، المسبب الأول لتخلفنا وهزائمنا وانعدام فاعلتنا
الحضارية.

وحتى
لا يغدو الكلامُ جلداً للذات، فإن لمجتمع المعرفة أيضاً مقدّمات وأسباب يجب العمل
على إيجادها وتوفيرها في المجتمع، وهي التي تسمح له بالتّوجُّه نحو تحقيق فتوحات
معرفية قادرة على إحداث تغيير حضاري حقيقي، ولعلنا نذكر أهمَّها في عجالة هنا:

1– تحرير العقل العربي، وهذه أولى وأهم المقدمات للوصول لإنسان قادر
على إنتاج المعرفة، فلا يمكن لعقل يغرق في تقديس الأشخاص أو الأفكار، أو يفقد الحس
النقدي في مقاربة المسائل والقضايا أن ينتج معرفةً جديدة، إن الانتماءات والتحزُّبات
والتعصُّبات والوقوع تحت سلطة قدم الفكرة أو شيوعها أو شرهتها لهي عدوة العقل
الأولى، لذا وجب أن نضع نصب أعيننا التخلي عنها كلها في سبيل الوصول لمجتمع معرفي.

2– نشر أسلوب التفكير العلمي، ونقصد بذلك، تعليم العقل العربي
أبجديات الأسلوب العلمي في التفكير ومحاكمة الأمور (وليس النظريات العلمية)، أي
الأسلوب المبني على علم المنطق وعلوم التفكير المختلفة (التفكير النقدي، التفكير
الإبداعي، التفكير الجانبي..) ، المتجنب للمغالطات المنطقية، والأوهام الفكرية
المعيقة.. فهل يمكن لعقل خامل غير متسائل، لا يؤمن بالأسباب العلمية أن يسهم في
إنتاج معرفي ما؟ إن الإيمان بالسببية الوهمية (كالسحر والغيبيات) من أكثر ما يشل
العقل عن فاعلية حضارية منتجة.

3– تحرير الإنسان من مناخ الاستبدادَيْن، الديني والسياسي، فالأول
يقدم له الإجابات عن كل شيء حتى قبل أن يسأل، ويقدّم نفسه بمعصومية مطلقة، وبتعالٍ
عن التجربة العلمية والنقد الفكري، بل وربما يسلط عليه أسلحته (بالتكفير والإقصاء)
في حال تجاوز بعض الآراء المدعومة دينيًا.. والآخر يمنعه من الإنتاج، ويحرمه
أدواته، ويصادره، ويتبع معه كل أشكال الإقصاء والتهجير، وشلّ الفاعلية تخوُّفًا من
مساهمته في تخفيف معاناة الشعوب.

4– نشر تعلُّم اللغات الأجنبية، وتنشيط حركة الترجمة (كأول وأبسط
شكل من أشكال الإنتاج المعرفي) ووضع نتاج ذلك كلّه تحت عين الناقد المتفحص، الذي
يحاول الاستفادة من الآخر لا استنساخ أفكاره وتجاربه، وأن يبني ويراكم عليه لا أن
يقف عنده، وإلا فما الفائدة من ترك تقديس التراث، والالتحاف بتقديس الغرب؟!

لعل
هذه الخطوات الأولى (القابلة للتطبيق عبر مؤسسات تربوية وثقافية مختلفة) توفُّر
الجو المناسب لإيجاد مجتمع قادر على الإنتاج المعرفي، ليس لذات المعرفة، بل لحلِّ
المشكلات التي يعاني المجتمع منها، وبالتالي الوصول لمجتمع حضاري، يُراكِم المعرفة
وخيرها التطبيقي ويتغذّى من ذلك.

شاهد أيضاً

مسؤول لبناني: عودة العلاقات مع نظام الأسد ضرورياً لمصلحة لبنان

اعتبر نائب رئيس مجلس النواب اللبناني ايلي الفرزلي أن عودة العلاقات “أمراً حتمياً وضرورياً لمصلحة …

أردوغان يحذّر بوتين من الهجوم على إدلب

    حذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من السماح للنظام …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ten − nine =