الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / الثورة تنضج… حول خروج المقاتلين من العديّة

الثورة تنضج… حول خروج المقاتلين من العديّة

طريف العتيق*

تمتّ إذًا في نهاية المطاف اتفاقية حمص
المبرمة بين النظام كطرف أوّل، والجبهة الإسلامية متحدّثة باسم كتائب الحرّ في حمص
القديمة كطرفٍ ثانٍ، بخروج المقاتلين مع سلاحهم الفرديّ إلى
الريف الشمالي للمدينة، والسماح بدخول الاحتياجات الإنسانية (غذاء ودواء) إلى حيّ
الوعر، مقابل الإفراج عن بعض الرهائن الروس وإدخال الطعام إلى قريتي نبل والزهراء.

تبدو الصورة السابقة للبعض على أنها
هزيمة مرّة، منيت بها كتائب الجيش الحر في عاصمة الثورة حمص، وهي تأتي في سياق
هزائم سابقة، أو انتصارات أخرى يحققها النظام هنا وهناك، كبابا عمرو، القصير،
يبرود، وغيرها من المدن والبلدات التي وقعت تسويات أخرى مع النظام ولا سيما في ريف
دمشق.

وهذا ما كان واضحًا في المزاج العام
لمستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي ولا سيما الفيسبوك، الذين أطالوا في كتابة
المرثيات تحت شتى الأسباب والأسماء، ولكن قراءة أخرى هادئة قد توضّح لنا بعض
النقاط التي غابت عن أذهاننا تحت ضغط (التعليقات الفورية) التي تفرضها الشبكات
الاجتماعية على روادها، وتجعلنا نرى صورةً أكبر من الذي تسمح به زحمة التفاصيل
الصغيرة هنا وهناك على الشبكة.

فما جرى في حمص القديمة، أو القصير أو
يبرود من جهة مختلف تماماً عمّا جرى في بعض المناطق في ريف دمشق من جهة ثانية، ففي
الحالة الأولى كانت الخسارة الجغرافية تحدث في أحد سياقين، الأول يتمثل في
الانسحاب الجغرافي، بهدف المحافظة على الأفراد والعتاد، والبدء في خطة جديدة
(القصير مثلًا، التي نفذ مقاتلوها عملية كبيرة بعد انسحابهم منها في الاستيلاء على
مستودعات مهين)، والسياق الثاني التي جرت به تلك الخسائر الجغرافية كان سياق
(اتفاق حرب)، لا (تسوية)، كما هي الحال في حمص القديمة.

والفرق كبير بين الأولى والثانية، فاتفاق
الحرب يتم بين طرفين، يرى كل واحد منهما أن لدى الآخر مكتسبات مهمة يمكنه أن يقدّمها له، فيُتّفق على تبادل تقديم
هذه المكتسبات، والتي تصبّ بالضرورة لمصلحة القتال من وجهة نظر كل طرف، بينما
التسوية هي أشبه ما يكون باستسلام متوسط الخسائر بعد معاينة ظروف حرب قاسية جدًا،
تشمل وقف العمليات العسكرية مقابل إدارة مشتركة للمناطق.

بيد أن المكنة الإعلامية للنظام تمكّنت
من استثمار الاتفاق لإظهاره على أنه نصر حقيقي، بينما لم يرقَ إعلام الثورة (ولا
سيما الإعلام العفويّ منه – إعلام الشبكة) على تبيان جوانب النصر التي حققها
المقاتلون في الاتفاقية، والتي يتحدد أهمها في الخروج من دائرة لا فاعلية عسكرية،
حرص النظام أشد الحرص على وضعهم بها، لشلهم عن أي عمل ثوري مفيد!

فخلال العامين الماضيين من حصار حمص
القديمة لا يمكن الحديث عن مكتسبات أو إنجازات حققها المقاتلون داخل هذه الأحياء!
ولا أحد يتوقع ذلك أصلًا، وهذا ما أدركته الكتائب المقاتلة هناك، من أن البقاء في
أسواق المدنية ولو لثلاثين عامًا لن يغيّر شيئًا من المعطيات العسكرية على الأرض،
ولن يسهم في إضعاف وإسقاط النظام، لذا كان الخروج من حمص مؤشرًا على نضج وعي
الثوار، وهو نضج بالتأكد باهظ الثمن، لكن هذا هو الأسلوب الذي ينضج به وعي
المجتمعات.

وبالتالي فإن مقاتلي القديمة خرجوا
بدروسٍ مهمة بعد عامين من الحرب، أهمها عدم التمترس بالأحياء المدنية، والعمل يدًا
واحدة، بالإضافة إلى نبذ الأسماء والتحزبات.

علاوةً على درسٍ آخر، وهو أهمية
التشكيلات العسكرية الكبيرة اليوم في التأثير على مجريات الأرض السوريّة، فالملاحظ
مثلًا أن الجبهة الإسلامية هي التي فاوضت النظام رغم تواجدها القليل والمحدود جدًا
داخل حمص القديمة، لكنه زمن التشكيلات الكبيرة، وهذه هي الفكرة التي كانت تنضج على
الجغرافية السورية في الفترة الأخيرة دون أن يلاحظها أحد، معتبرين أن ما يجري
خسارة للثورة نصرًا للنظام، وهو في حقيقته نضج تدريجي في وعي المقاتلين وتحسين
أساليب عملهم، وأقصد في ذلك ما جرى من خسائر في مناطق أخرى كالقصير أو بابا عمرو،
إذ كان يسهل على النظام ابتلاع الكتائب الصغيرة هناك، لكنه لن يتمكن من ابتلاع
تشكيلات يبلغ عدد مقاتلوها عشرات الآلاف، تحمل كل أنواع الأسلحة بما فيها الثقيلة،
لذا فإن تلك المعارك الخاسرة، دفعت الكتائب الصغيرة للاندماج بأحد هذه التشكيلات
الكبيرة لتحقق انتصارات فيما بعد بسرعة أكبر.

ولو رغبنا في رسم صورة أكبر من السابقة،
وأشمل منها، تستقرئ مجريات التاريخ وأحداثه، لوجدنا أن الفئة الحاكمة المستبدة
تمرّ بأربع مراحل تقريبًا.

أولها، مرحلة السيطرة والطغيان على
البلاد والعباد، وفيها يسود حكمهم المطلق، وتكمم أفواه معارضيهم بشكل مطلق،
وينهبون مقدرات البلاد، ويستعبدون طاقات العباد، فيظنون بأن الأمر قد استقرّ لهم
إلى أبد الآبدين.

الضغط الكبير السابق على الشعب، سيبدأ
لاحقًا بتوليد انفجارات صغيرة هنا وهناك، ما تلبث أن تتحول إلى انفجار كبير يواجه
هذه الفئة ويتحدّى إرادتها، ويعمل على كسر شوكتها، وهي المرحلة الثانية، لندخل
بعدها في المرحلة الثالثة التي تحقق فيها الفئة المستبدة مدعومة بترسانتها وخبرتها
وثقلها وضخامة حجمها، تقدمات معينة هنا وهناك، تجعلها تشعر بالغرور والقدرة على
مجابهة الجماهير الغاضبة، هذا الغرور يدفعها لارتكاب المزيد من الأخطاء دون أن
تلاحظ، لتأتي المرحلة الأخيرة بسقوط الفئة المستبدة عن الحكم باستغلال الأخطاء
التي وقعت بها في التعامل مع الجماهير الغاضبة من معارضيها، وهو سقوط يعاقب الفئة
كفئة، وليس كأفراد، إذ قد ينجو بعض الأفراد المستبدين من تبعاته، لكن الفئة
المستبدة لن يعود بإمكانها العودة للحكم مرة أخرى.

التناول العاطفي والرثائي لمجريات
الأحداث السورية على شبكات التواصل الاجتماعي كثيرًا ما يعيقنا عن محاولة هادئة
لتبصّر الواقع، تتجه الثورة السورية اليوم والتي اضطرت للعسكرة للاندماج في ثلاثة
أو أربعة من التشكيلات العسكرية المعارضة الكبرى، والتي ستشكل وزنًا ثقيلًا من
المستحيل تجاوزه في إيجاد مخرج سياسي.

شاهد أيضاً

“اتحاد علماء المسلمين” يطالب المجتمع الدولي بوقف معاناة المدنيين في درعا

طالب “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” المجتمع الدولي، بإيجاد حلٍ لما يحدث في درعا، مُعرباً عن …

باحث إسرائيلي: إسرائيل لن تسمح بإسقاط نظام الأسد

كشف باحث إسرائيلي، أن بلاده لن تسمح بإسقاط نظام الأسد كونه يحمي حدودها منذ عام …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

one + 14 =