الآن
الرئيسية / تحقيقات / التدريب الغائب… هل يكفي أن تحاكم مؤسسات المعارضة على ضعفها أخلاقياً؟ لا يوجد تقييم، يوجد تحميل عاطفي سلبي!

التدريب الغائب… هل يكفي أن تحاكم مؤسسات المعارضة على ضعفها أخلاقياً؟ لا يوجد تقييم، يوجد تحميل عاطفي سلبي!

غريب ميرزا

عمليات الفساد
والتخوين واللوم على إدارة فاسدة، تنهال على مؤسسات المعارضة السورية. وهذه
الأوصاف “الجنائية” تكتسب منطقيتها من مرحلتين، الأولى أن الفساد هو أمرٌ
مرفوض أخلاقياً بشكل عالمي، والثانية أن الفساد هو السبب في الثورة على النظام
الحاكم في سوريا، فإذا كانت المؤسسات التي تمثل الحركة الثورية المعارضة للشعب،
فاسدة إذاً يصبح الحراك الذي قام به الناس ضد النظام، والتضحيات والخراب الكبير
والنزوح الذي عانى منه الناس، فاقداً لمبرره كمؤسسة، وهو بذلك صراع على السلطة بين
تيارين، وليس ثورة شعبية تريد التغيير، وتحقيق حلمها بحياة نوعية جيدة ومتقدمة.

ولهذا نجد أن
الذين يتحدثون عن مؤسسات المعارضة، ويثبتون عليها الفساد، يربطونها بالنظام، وهذا
الربط يأخذ شكله الأخلاقي، إذا كان النظام فاسداً على هذه المؤسسات ألا تكون
فاسدة.

الفساد

استخدمت هذه
الكلمة
venality في منتصف القرن 17 وهي
مشتقة من الإغريقية
venum وتعني الشيء القابل
للبيع، حسب معجم اكسفورد.

ويبدو أن البيع
يرتبط بشكل ما، بالعيب الأخلاقي، من حيث أنه يؤدي إلى تفريط بشيء، لا يجب التفريط
به. وهذا الشيء له قيمة معنوية ومادية كبيرة، لكن الاحتفاظ به سيؤدّي إلى خسائر
مادية أو قلة الربح الآني، فيما لو بيع. وهذا ما يظهر بديهة، فالفساد يرتبط بالربح
والمنفعة الآنية، لكنها غير القادرة على الديمومة. وهو مرتبط بالفردية التي تغلب
مصلحتها على المصلحة العامة، وبالتالي يقف على الضد من التنمية أيضاً.

كي لا نحصر الفساد
بالأمور المالية فقط، علينا أن نوضح هذا المصطلح أكثر، ولا سيما في نطاق استعماله
الحالي.

على سبيل المثال
قد لا يكون الكثير من الجهات المقاتلة في سوريا فاسدة مالياً، لكنها فشلت في إدارة
المعركة مع قوات النظام. ونلحظ أن الانتقادات طالت الكثير من هذه الجهات ولا سيما،
بعد سيطرة النظام بشكل كامل على حمص.

الإعلام السوري
البديل أو المعارض، أيضاً اتهم كثيراً بالتقصير والضعف. ومع الإعلام يمكننا أن نضع
وحدة التنسيق والدعم، التي فتحت ملفات فسادها المالي والإداري، والضعف الكبير في
الإدارة من جانبها، الأسبوع الماضي. الوفد المفاوض في جلسات جنيف 2 اتّهم أيضاً
بسهولة اختراقه من وفد النظام، الائتلاف تنسب إليه قضايا العجز عن التعامل مع وضع
مستمر في التعقيد. المال السياسي أصبح كابوساً، لا يمكن الخروج منه، لذا لا بد من
السباحة في تياره، وإلا هناك خطر الغرق.

جميع هذه القضايا
تدرج تحت الضعف الإداري والفساد المالي، وعدم أهلية الكوادر وغير ذلك، لنصطلح
عليها بالفساد بشكل عام، دون أن نغفل أنه يشمل الخطأ في التكتيك والخطأ في التخطيط
أيضاً.

حالات الفساد
(الضعف) لم تؤدٍّ إلّا إلى الخسائر المستمرة على الصعيد الوجداني والمادي، عدا عن
مئات الضحايا الذين يموتون أسبوعياً. ونتائج هذه الخسائر تدفع الناس إلى مزيد من
الإحساس باليأس، وعدم الثقة بالمؤسسات التي يفترض أنها تقدم بديلاً عن مؤسسات
النظام، وهذا ما يجعلها تتجه نحو تشكيل تجمعات أصغر وأصغر، لا تعترف بالمؤسسات
الكبيرة مثل وحدة تنسيق الدعم والائتلاف وغيرها، وتتبدل فيما بينها التهم بالضعف
والعجز عن مواجهة التحديات المستمرة.

المحاكمة من زاوية
أخلاقية

من الواضح أن
تناول قضايا الفساد (الضعف) يكون من زاوية أخلاقية، فهناك تحميل لذنب وإثم، واتهام
بالخيانة، أو العمالة والانصياع لرأس المال السياسي، أو اتهام بالابتعاد عن قضايا
الناس الذين يعانون بشدة في الداخل السوري أو في مخيمات النزوح. حوادث انتحار بعض
اللاجئين في لبنان (امرأة ماتت حرقاً، وشاب رمى نفسه من طابق مرتفع) تغذي هذا
الاتهام الذي يحتل جانباً عاطفياً، فالمسؤولون والمؤسسة المعنية، فاشلة لهذا تسبب
لنا المعاناة، هناك تحميل للعار وللذنب في تناول هذه القضايا، من جانب الإعلام أم
من جانب المؤسسة ذاتها التي تعلن أنها سوف تدرس هذه القضايا.

إن التناول
الأخلاقي ـ العاطفي للفساد والضعف، جيد على الصعيد الشخصي والثقافي العام، وهو
عنصر لا غنى عنه في أية مؤسسة، لكنه يصبح تناولاً متخلفاً إذا اُقتُصر عليه.

عندما يتهم مثلاً
شخص ما بأنه لم يلتزم بالسرية في مفاوضات معينة، أو أنه اتخذ قرارات خاطئة بسبب
ارتهانه لمال سياسي، أو بسبب عدم كفاءته، فإن علاقة عاطفية ـ وإن كانت سلبية ـ
تتأسس بينه وبين المجتمع أو التجمعات الجزئية، في حين تغيب أي علاقة من طبيعة
مؤسساتية في هذا الطرح.

النظام في سوريا،
من المؤكّد أنه يمتلك قدراً كبيراً من الالتزام الأخلاقي ـ العاطفي بين مؤيّديه، وهو
يمتلك ـ وهذا ما أثبتته التجربة ـ قدراً كبيراً أيضاً من القدرة المؤسساتية
العسكرية وغيرها، إذا لا يبدو أنه يخطط بطريقة فاشلة بقدر قوات ومؤسسات المعارضة
السورية.

التناول الأخلاقي
لقضية عملية، يجعلنا نقف دائماً في موقع الذي يستعد لإطلاق حكم، وبالتالي الذي
يستعد دائماً للدفاع عن نفسه أو اتجاهه، ضد اتجاه آخر. وهذا يجعل التفاعل مقتصراً
على الخطاب فقط، وعلى تطوير القيم النظرية، التي تقيس الواقع تبعاً، لمعايير
متعارف عليها إنسانياً، (مثلاً الفقر الذي يعاني منه النازحون والمحاصرون، قيمة
مكروهة، يتم رصدها واستخدامها لقياس فشل أو نجاح اتجاه ما) وهكذا ستبقى الجهات مرتهنة
بشكل كامل للواقع، وفي موقف المنتظر لا موقف الفاعل، القادر على تغييره.

ما المطلوب إذاً؟

التدريب المفقود

المطلوب هو
الانتقال إلى ضفة الفاعلية، والتخطيط لتغيير الواقع، وليس رصده فقط. لا يجب
الاكتفاء بمحاكمة الأمور من زاوية العاطفة، اللوم تحميل الذنب عن طريق التخوين أو
إطلاق الصفات الأخرى ذات الطبيعة الأخلاقية ذاتها، البديل هو تناول الأمور من
ناحية قياس الكفاءة.

أي إننا نحتاج إلى
زاوية إدارية في تناول القضايا السابقة، وإلى أسئلة من نوع: ما الخطة التي وضعتها
المؤسسة الفلانية؟ ما التدريب الذي خضع له المجلس الفلاني؟ ما المعايير التي سنعتمدها
من أجل قياس عمل ما؟

أن يكون شخص أو
جهة ما فاشلة من ناحية العمل الذي يقوم به، فالمشكلة ليس محصورة به، المشكلة تمتد
إلى الجهات التي يجب أن تكون مسؤولة عن تدريبه. هل هناك قرار سياسي في مؤسسات
المعارضة على تفعيل التدريب لكوادرها؟

التدريب يفتح المجال
للتعامل مع الواقع من باب الأدوات التي يملكها شخص ضمن مؤسسة، وبالتالي تصبح حادثة
السرقة ليست حادثة أخلاقية، إنها حادثة ضعف الإدارة وأدواتها على منع حدوث هكذا عملية.

والحل لا يكون
بالتعويل على التزام العامل أخلاقياً، أي التزامه الذاتي، بل يكون بتوفير الأدوات التي
يستخدمها في عمله، ضمن مجموع أدوات المؤسسة.

وهكذا لا يحاكم
الفرد في البداية، وإنما تُقيّم الأدوات، عندما يحصل خطأ فهذا معناه أن الأدوات
الإدارية ضعيفة، حتى لو كان هذا الخطأ سرقة أموال، أو خسارة مدينة.

أهمية هذه الزاوية
في تناول القضايا، أنها تدفع باتجاه بعيد عن الشخصنة، وبالتالي تضعف بدرجة كبيرة
من الجذر الأساسي للفساد (الضعف) وهو الشللية والعلاقات الشخصية والتمركز حول
الفردية. وتستبدلها بمفهوم الحلول، ما الحل؟ سيكون الحل دائماً وسيلة إدارية
جديدة، وقياساً جديداً للعمل والنتائج، وبالتالي سيتطلب حكماً كوادر بشرية قادرة
على الاستمرار في العمل، ضمن بيئة متطورة الأدوات باستمرار.

وهكذا نكون قد
نقلنا مركز التوازن من الحكم الأخلاقي، الساكن المعتمد على الفرد ـ الشخص، إلى العملية
الإدارية التنموية، المعتمدة على المؤسسة، لا على الشخص.

دون تبديل وجهة
النظر هذه، لن نستطيع الكلام عن محاربة الفساد (الضعف) نهائياً، لأنها أصلاً لا
توفر أي معيار، أو وسيلة للتخلُّص منه، بل إنها لا توفر إلا أرضية متبدلة دائماً
لتنفيس الغضب، واستبدال شكله الخارجي، إذا لا يجوز الاعتماد في المؤسسة على بطل. يمكن
الاعتماد على نظرية القائد ـ الموقف إدارياً، أما التناول العاطفي ـ الأخلاقي بأشكاله
العديدة، فهو تنويع على مقولة البطل هذه.

شاهد أيضاً

“القانون 10” نسخة لسرقة إسرائيل أملاك الفلسطينيين

ما تزال أصداء “القانون” الذي أصدره نظام الأسد تحت مسمى “المرسوم التشريعي رقم 10 لعام …

الطفل حسن دياب - انترنت

مجزرة الكيماوي: روسيا تكذب في لاهاي وتحتجز “الشهود” في دمشق

وفق ما جرت العادة في أروقة المجتمع الدولي خفت الصوت المنادي بعقاب المجرم بشار الأسد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

eleven − 5 =