الآن
الرئيسية / تحقيقات / التحالف المدني السوري (تماس) … هل تذوب الدولة كخلفية ضرورية بدلاً من كونها مبرّر الصراع؟

التحالف المدني السوري (تماس) … هل تذوب الدولة كخلفية ضرورية بدلاً من كونها مبرّر الصراع؟

غريب ميرزا

في
2/ 5/ 2014 أُعلن عن تأسيس التحالف المدني تماس، وهو يضم أكثر من 50 منظمة مدنية سورية
حصراً، نصف هذه المنظمات جاء من داخل سوريا، حيث عقد الاجتماع في بيروت.

في
البيان التأسيسي، أُعلِنت محاور أساسية للعمل عليها، منها العمل على تحقيق السلام،
والعمل على إنهاء الصراع، وذلك من خلال التنمية التي هي الحامل الأساسي لهذه
العملية.

وعدّ
التحالف أن الصراع لا يمكن إيقافه مباشرة لأن له الكثير من الامتدادات والجذور
التي تصل إلى تعقيدات اجتماعية وثقافية لا يمكن أن تنتهي فجأة.

أعلن
التحالف أيضاً أنه سوف يؤسس قاعدة معرفية كي تكون كل أنشطته وأعماله مبنية على
أساس علمي، وبناء على دراسة دقيقة للمجتمع السوري.

تمت
كل هذه الاجتماعات بحضور ممثل الإبراهيمي، وهو ما أضفى على التحالف ما يمكن أن
ندعوه اعترافاً أو رعاية من الأمم المتحدة.

ماذا يعني هذا التحالف المدني؟

كما
أوضح البيان، فإن الهدف من هذا التحالف هو العمل على تدعيم عمل أنشطة الجمعيات
المدنية في سوريا. وقد وضع علامة مميّزة بين العمل المدني والعمل السياسي، وهي
السلطة. الجمعية أو التنظيم المدني لا يسعى للوصول إلى السلطة، على عكس التنظيم
السياسي، ولكنه معني بالنتائج القريبة للسياسي على الواقع المعيشي والواقع الفكري
والروحي للناس الذين هم أساساً عماد هذا التنظيم المدني أو ذاك.

هذه
الخطوة تأخّرت كثيراً، وهناك طبعاً أسباب لذلك، يمكن أن نضعها في خانتين، الأولى
متعلقة بالنظام الذي كان يمنع، ويحارب دائماً المجتمع المدني وتنظيماته، ويحاول
دائماً قولبتها في إطاره الإيديولوجي البعثي، وحين يفشل في ذلك، فإنه يحاول أن
يقزمها، ويضع العراقيل في طريقها، ممّا يجعلها منظمات مدنية تتعلق بالرفاهية أكثر
مما تتعلق بالمدينة والمواطن الذي يسكن المدينة. والثانية متعلقة بالوعي السياسي
الخاص بالمواطنين السوريين، الذين شكلوا ومازالوا يشكلون تكتلات وتنظيمات سياسية،
بأذرع عسكرية أو بدونها. إضافة إلى الرغبة الإقليمية المرتبطة بالمال السياسي، التي
عملت على إبقاء المنظمة السياسية كمنظمة قوية قادرة على السيطرة العميقة على
المجتمع، وعلى التحكم به وإدارته، من خلال ربطها خصوصاً بالاقتصاد، والأخطر من ذلك
عن طريق ربطها بالدين، فأصبحت بذلك تملك مستقرها النفسي العميق في الأفراد.

طبعاً
الفرق بين السياسي والمدني يكمن في الكثير من النقاط التي تناولها الكثير من
المؤلفون، لكن سأذكر هنا نقطة هامة تفيد في سياقنا، وهي الرؤوس العديدة للمدني،
والرأس الوحيد للسياسي. تعدد الرؤوس للمدني هو نقطة قوة، كما أنه نقطة ضعف
للسياسي، كما يحدث الآن للمعارضة. وتوحيد رؤوس المدني نقطة ضعف، كما هي نقطة قوة
للسياسي.

يأتي
هذا التحالف بعد فشل (أعتقد أنه إيجابي، لأن نجاحه يعني العودة للوراء) السياسي
فشلاً ذريعاً على كلِّ الأصعدة، من مجاله السياسي، العسكري إلى مجال الإغاثة
والدعم المدني. مما أتاح المجال للمنظمات المدنية الخارجية التي بدأت بالتبلور
خلال هذه الفترة، للظهور والبدء بالعمل الذي مهر حتى الآن بالعلمية في التحليل
الاجتماعي، وهذا طبيعي لأن المدني تأتي معاييره من الأسفل، أي من الطبقة
الاجتماعية المعقدة، وليس من الأعلى أي من المال السياسي، ومن معايير خطابية فارغة
(كالحرية….) التي تفقد كل أساس لها. وهذا أيضاً طبيعي للسياسي لأنه يرغب في
الوصول إلى السلطة، بأية وسيلة على الأقل منذ أيام ميكافيللي.

بعد
تأسيس هذه الخطوة المدنية السورية، سيضيق المجال على الجهات السياسية والعسكرية
المعارضة، بكل أطيافها ولاسيما الإسلاميون، فالتحالف يشمل منظمات جاءت من داخل
سوريا، أي من تحت جناح النظام، ولكنها تمتد إلى جميع المناطق من داعش إلى النظام
إلى المعارضة، وهذا يهدد في نقطة استراتيجية عميقة، بقاء هذه المنظمات السياسية
المعارضة. لأن المنظمات المدنية تمتلك القدرة على إدارة الواقع كما هو وتحويله، مما
يفرغ بوضوح وسرعة خطابات السياسيين.

لماذا سمح النظام لبعض المنظمات بالمشاركة
في التحالف؟

يبدو
غريباً أن بعض المنظمات المدنية سافرت من دمشق إلى بيروت، للمشاركة في المؤتمر ومع
هذا لم يعتقل أفرادها حتى الآن على الأقل. يبدو أن النظام ذاته أصبح يدرك أنه
بحاجة إلى هذه المنظمات لأنها تشكّل إلى حدٍّ بعيد صمام أمان، لمجتمعه الخاص ذاته،
ولاسيما بعد أن حدثت أكثر من حالة تململ داخل المواطنين المؤيدين له، وداخل المناطق
التي تخضع لسيطرته والتي كانت هادئة لفترة طويلة، ولا سيما مناطق الأقليات. أما من
جهة أخرى فالسماح لهذا المنظمات بالمشاركة سيمنحه دعماً إعلامياً كونه يدعم
المجتمع المدني كما سيقول، وبشكل عام لن تشكل هذه المنظمات أي خطر عليه، فالتهم
جاهزة متى ما أراد أن يلغيها. لكن إلى أي حد لن تستطيع هذه المنظمات ان تشكل خطراً
على النظام؟

إذا
استطاعت المنظمات المدنية أن تتغلغل بشكل جيّد، وتلعب دورها الحقيقي، ولاسيما في
تأسيس قدرة على الإغاثة الذاتية، للمجتمع بعيداً عن الشرط الديني والولاء للنظام
أو لجهة معينة، وهذا ما يستتبع تشكيل شبكة تعاونية من هذه المنظمات في دعم
الكفاءات المحلية، والشباب الذين لا يجدون الآن أي جدوى من الدراسة مثلاً. وفي حال
كان هناك قرار دولي، ولو مضمر، بدعم المجتمع المدني السوري، فربما في هذه الحالة
سيشكل تطور المجتمع المدني خطراً على المنظومة السياسية للنظام، ولاسيما من ناحية هوية.

فالنظام
يريد هوية ترتبط به، دينياً وعقائدياً وغير ذلك، ونقول غير ذلك لأنها الآن في
مرحلة تحوُّل، ولا سيما مع الدخول الإيراني القوي، أما المجتمع المدني النامي، فسيتيح
حرية واسعة تتمتع بقدرة نقدية عقلياً، مما يضعف، ويهدّد بشدة أي حلم إيديولوجي
للنظام ولاسيما على المستوى البعيد.

من الدولة إلى المدينة

هل
تنتقل سوريا فجأة إلى الزمن المعاصر الذي يسمى “عصر المدن”؟

تشكيل
هذا التحالف المدني يشير إلى ذلك، فالمدينة لا يمكنها إلا أن تكون مكاناً جغرافياً
لتجمع القدرات والكفاءات التي يجب عليها أن تعمل على تحسين صورة المدينة وتقويتها
وبالتالي أن تحسن الحياة فيها. وهكذا المدينة مفهوم يغيب فيه نهائياً مفهوم
الصراع، والسيطرة والهيمنة، وهذا ما يمنح التنظيم المدني شرعيته، فكما قلنا هناك
منظمات تعمل في مناطق داعش والمعارضة والنظام.

المدينة
هي الشيء الواقعي الحي المباشر، الذي يعيش فيه الفرد بجسده، أولاً. أما السياسة
كميدان فهي مكان ثانوي بالنسبة لهذا الوجود الواقعي الأول، وهي مقولة خطابية أكثر
منها مقولة واقعية إذا ما قورنت بالمدن.

ففي
حين تنادي (الدولة) أو (السلطة) بالحرية والشرف و … فإن المدينة كمفهوم تشكلها
مباشرة.

شاهد أيضاً

“القانون 10” نسخة لسرقة إسرائيل أملاك الفلسطينيين

ما تزال أصداء “القانون” الذي أصدره نظام الأسد تحت مسمى “المرسوم التشريعي رقم 10 لعام …

الطفل حسن دياب - انترنت

مجزرة الكيماوي: روسيا تكذب في لاهاي وتحتجز “الشهود” في دمشق

وفق ما جرت العادة في أروقة المجتمع الدولي خفت الصوت المنادي بعقاب المجرم بشار الأسد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 1 =