الآن
الرئيسية / منوعات / الانتظارية السياسية والجهادية المتعاظمة

الانتظارية السياسية والجهادية المتعاظمة

عمّار الأحمد

أخمدت المعارضة الروح الثورية للثورة، ودفعتها بكل ما
أوتيت نحو التبعية للخارج الإقليمي والدولي، فدخلت الثورة بانتظارية سياسية تغيب
عنها أية رؤية مستقلة لذاتها، ولأهدافها، ولمستقبل سوريا.

الثورة لم تستطع أن تعزل السياسيين ولا الخارج، ودفعَها
النظام دفعاً نحو الفوضى الطائفية والفوضى العسكرية، وقتلَ أغلب الناشطين القادرين
على الاستقلال أو أودعهم النظام في السجون، ودفع الشعب نحو الهجرة واللجوء، فعزل
الثوار بذلك عن حاضنتهم الاجتماعية.

أغرقت المعارضة الثورة بالمال السياسي وبالسلاح الفوضوي،
ورددت بغباء منقطع النظير هدفها البائس والكامن في التدخُّل العسكري أو منطقة حظر
جوي أو ممرات آمنة، رغم أن الخارج رفض، وكرّر رفضه الاستجابة لهذه القضايا منذ عام
2011، ودفع تلك المعارضة وتحديداً المجلس والائتلاف لاحقاً للتوافق مع الروس، وانعقد
جنيف وانتهى بخفي حنين، وتراكمت الحصيلة الواقعية للثورة بضعفٍ غير محدود لها
وبتعاظم الجهادية حتى تكاد تستلم كل جبهات القتال في المدن كافة.

أسوأ ما وقع به الشعب هو تسليم قيادة ثورته لمعارضة
عاجزة وفاشلة تاريخياً، وبذلك اختار الانتظارية السياسية عن الفعل المستقل، وهذا
كان أس المشكلات ولا يزال. الآن أصبحت داعش مستقلة بقسم من سوريا، وتقاتل حصراً من
أجل ذلك وتوسع نفوذها. والنصرة تتعاظم في كافة الجبهات. والجبهة الإسلامية تفاوض –
ومن اتفاق حمص – الإيرانيين وعبر اللاذقية وحلب وحمص، وتتوسع تباعاً في سوريا.

الجهادية تخوض حرباً شرسة بين أفرعها ولكن يمكن وفي أية
لحظة إيقاف كل ذلك والتفاهم، وخصوصاً بين داعش والنصرة وحركة أحرار الشام ومن
يشبهها، بينما الجبهة الإسلامية تتخذ تكتيكاً ذكياً وهو رفض الإجهار بهدف الخلافة الإسلامية
ورفع هدف الدولة الإسلامية عالياً والتحرك وفق المشيئة الإقليمية بصفة خاصة. هذه
الجهادية وبتغييبها أي هدف للثورة، تخمدها كلية لمصلحة قوى إقليمية سعودية
إيرانية، وبالتالي تتصاعد الخطورة على مستقبل الثورة ومستقبل سوريا، وربما تكون
النتيجة حل الائتلاف الوطني، وإبراز سياسيين أصوليين تابعين للجبهة والتفاوض
المباشر مع إيران، أي عبر السعودية، وبذلك تبدأ سوريا مرحلة جديدة في غاية
الخطورة، وتتحدد بتقاسم طائفي للسلطة. هذا سيناريو في غاية الخطورة وهناك مؤشرات
كبيرة عليه.

اجتماع الائتلاف الوطني في واشنطن وفي لندن لم يفضِ إلى
أيّ جديدٍ مختلف عن السياسة الأمريكية والأوربية القديمة إزاء الثورة، فلا دعم
عسكري ولا مقاطعة سياسية كاملة للنظام ولا تهديد لروسيا وإيران جدي ودقيق، أي هي
تطلقمواقف سياسية أقرب للثرثرة، وبالتالي إدخال سوريا بمستنقع كبير، واستمرار
النزيف الداخلي للثورة ولسوريا، حيث لا يتوقف النظام عن الدمار والقتل، وتتعاظم كل
المخاطر إزاء الواقع: من مؤشرات تصاعد الجهادية والتفتت الطائفي والمجتمعي وتزايد
كلفة الإعمار وقتل بلا حدود.

وبالتالي غياب
أية مؤشرات إيجابية للخروج من النفق الفاشل الذي أدخلت المعارضة والنظام الثورة
فيه.

بخلاف كل ذلك، وبخلاف الانتظارية السياسية والتسليم
للائتلاف وللمعارضة، فإنه وطيلة ثلاث سنوات كان الثوار يقدمون اقتراحات مستمرة ضد
المجلس والائتلاف والهيئة والمنبر وسواها، وكذلك كان هناك الكثير من الحركات المستقلة
عن هذه التكوينات الفاشلة، وهي بالتحديد من يفترض به التقدم وإبداع طرق جديدة
للثورة.

ولكن هل هذا ممكن؟! أم نضع تصورات خيالية لا علاقة لها
بالواقع!!.

الممكن الذي ظهر، ولم يتطور كثيراً هو رفض الشعب
للجهادية وهذا تم في كل سوريا، رفضوا داعش ورفضوا زهران علوش ولوائه ورفضوا مؤخراً
النصرة في درعا، وكذلك الأمر في إدلب وهكذا. وقدم الكثيرون أوراقاً نقدية للهيئة
وللمجلس وللائتلاف وللمنبر وهكذا. وظلت طيلة الأعوام الأربعة للثورة قوى ومجموعات
ثورية خارج كل تمثيلات المعارضة. وهناك قوى دخلت وخرجت من تلك التشكيلات. ونضيف
الحال الكارثية لملايين المهجرين والذي يتحينون لكل جديد نوعي في المعارضة؛ هذا
يعني أن الشعب لديه قوى وإمكانيات يمكن تفعيلها بشكل مختلف عما تمّ، ولكن الشعب وحده
لا يستطيع القيام بمهمة الاستقلال السياسي الكامل عن المعارضة وعن التدخل الإقليمي
والدولي. وبالتالي تكون مهمة القوى والأفراد الذي أشرنا إليهم مهمة رئيسية
للمساهمة في البدء برؤية جديدة وبسياسات مختلفة بعيداً عن المعارضة التي دفعت
الشعب نحو قتل ثورته بيديه حينما دفعته نحو التبعية للخارج الإقليمي والدولي ونحو
فوضى السلاح وفوضى الأهداف وفوضى التنظيم لقدراته؛ فلم ينتج أي منظمات ومؤسسات
شعبية مستقلة.

الشعب معني الآن أن ينتج مؤسساته، أي اتحاداته السياسية
والنقابية، وتوحيد كل ذلك على مستوى سوريا، والمحافظة على استقلالية هذه القوى ضمن
العمل المشترك للاتحادات.

نعلم أن ذلك يتطلب بنية سياسية متمايزة وقوية ومهيمنة،
وهذا غير موجود، وهنا أكبر إشكالية اعترضت الثورة الشعبية، فهي لم تستطع إظهار جسم
سياسي واحد مستقل، وكل ما ظهر كرّس حالة الانتظارية السياسية وعدم الاستقلال؛
الثورة معنية بقراءة مشكلاتها كما هي إذاً.

عدم القيام بذلك سيعني شيئاً واحداً فقط، المزيد المزيد
من الاستنقاع والتراجع لقوى الثورة، وتعاظم الجهاديات وربما النظام كذلك، والمزيد
من التدخل الإقليمي والدولي، وهذا سيؤدي إلى فقدان الثورة بالكامل وربما التفتت
المجتمعي والمناطقي، وتحكّم الجهاديات في سوريا.

القوى التي أوضحنا ضرورة أن تعلم وتستقل بذاتها، يقع
عليها إبراز رؤية وطنية للثورة ولمستقبل سوريا. ورفض كل ملمح طائفي في الثورة مع
التأكيد على احترام الأديان والطوائف، ورفض كل تطييف للصراع بين الشعب والنظام؛
فالثورة شعبية والنظام شمولي؛ فالنظام دعم من روسيا، والمعارضة والثورة تطلب
المساعدة من كل دول العالم، وفي الداخل شاركت فئات متعددة الطوائف في الثورة وكذلك
وقفت فئات ومن طوائف متعددة مع النظام، وبالتالي ورغم تعاظم الجهادية ومحاولات
النظام لتطييف نفسه وإعطاء دور كبير لإيران، فإن الصراع بجوهره صراع سياسي أي بين
شعب تدهورت أوضاعه، وتدمّرت مساكنه ومدنه وقتل أفراده وبين نظام شمولي اختار
خياراً أمنياً عسكرياً منذ اللحظة الأولى للثورة ولا يزال.

فهل يمكن طي الانتظارية
السياسية والجهادية المتعاظمة. هذا أمر أكثر من ضروري..

شاهد أيضاً

فيلا في طرطوس للبيع بمبلغ خرافي

تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، خبراً عن عرض فيلا في مدينة طرطوس الساحلية غرب …

نواعير حماة تعود للدوران

أعلنت وسائل إعلامي محلية سورية، أن فريق الهندسة التابع لمجلس محافظة حماة، سيعمل على إعادة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 − 7 =