الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / الأبطال المحبطون

الأبطال المحبطون

*صبر درويش

لم تنجح الثورة السورية – حتى هذه اللحظة على الأقل- في تحقيق أهدافها وفق
التصوُّر الذي كان يحلم به الناشطون إبان انطلاقة ثورتهم، بيد أنهم نجحوا في إسقاط
نظام الأسد كبنية، وتحويله من نظام مسيطر إلى مجرد طرف من جملة أطراف أخرى متصارعة،
وذلك بغض النظر عن القوة التي يمتلكها والتي تميزه عن بقية الأطراف المتصارعة
الأخرى.

في المقابل لم تتمكن الثورة من إنتاج نقيض للنظام السوري الذي سعت إلى
إسقاطه، وهو ما جعل من الحرب الدائرة، تأخذ طابع حرب أهلية بين أطراف هم أقرب إلى
أمراء الحروب منهم إلى أي شيء آخر.

خسر الثوار الذين بلورتهم أحداث 2011 موقعهم كفاعلين في عملية التغيير، وحل
محلهم قوى مختلفة لا تنتمي لأهداف الحراك الثوري وروحه التي انطلقت في العام 2011؛
ما الذي حدث حتى جعل سيرورة الثورة السورية تذهب باتجاه حرب أهلية لا في اتجاه
بناء نظام نقيض لنظام الأسد؟ ولماذا هذه الحرب أخذت طابعاً تدميرياً من المستبعد
أن يحمل في سيرورته مشروعاً وطنياً؟

ثمة العديد من الإجابات المتداولة والتي لا تخلو من الصواب، كالقول بحجم
العسف الذي اعتمدته قوات الأسد في قمع قوى الثورة والذهاب في هذا العسف إلى أبعد
ما يكون، وهو شيء صحيح إلا انه ليس كافياً في فهم المآلات التي ذهبت إليها الأمور.

ورغم كلِّ التداخلات والتعقيدات التي ساهمت مجتمعة في رسم ملامح المرحلة
الراهنة من الصراع السوري، إلا أن الفساد الذي تخلل خلايا الثورة وراح ينخر في
بنيانها قد يستحق التمحيص أكثر من غيره من العوامل التي أدت إلى ما نحن عليه
اليوم.

لقد كشفت مفاعيل الثورة –من جملة أشياء أخرى كشفتها- حجم الخراب الذي أدت
إليه سنوات حكم الأسد، وحجم التعفن الذي طرأ على نسيج المجتمع السوري، والذي بات
بعد كل هذه السنوات غير محصن حيال أي نوع من أنواع الخراب.

لم يكن المجتمع محصناً ضد الطائفية، فانخرط بسهولة في هذا المستنقع رغم كل
التحذيرات التي وجهها الناشطون والمثقفون السوريون في سبيل كشف لعبة النظام
الخبيثة في حرف الصراع السوري من صراع من أجل إسقاط النظام وبناء دولة العدالة إلى
صراع طائفي يضع الطوائف مقابل بعضها في علاقة تناحرية.

لم يصمد الخطاب الوطني الذي انطلقت به حناجر الثوار إبان انطلاق الثورة،
واستبدل مع سابق إصرار وتصميم من قبل المنتفضين ليحل محله خطاب طائفي كريه، يتغذى
كل يوم عن يوم عبر عشرات الممارسات الإجرامية والتي يؤديها طرفا اللعبة الطائفية.
وانتشر السعار الطائفي حتى لم تعد من خلية في المجتمع بمنأى عنها وعن آثارها
السلبية.

وكذا الأمر بالنسبة لسلمية الثورة التي كانت خطاً أحمر بالنسبة للثوار، إذ
ومنذ وقت مبكر كشفت ألاعيب نظام الأسد رغبته في تسلح الثورة، فسهل مرور السلاح،
وفي بعض الأحيان رمى به بين متناول الأيدي، والتي رفضت في أثنائه حمله، واكتفت
بفضح محاولات النظام بحرف الثورة عن سلميتها.

العشرات من المثقفين ومن المناضلين السوريين “القدماء” وحتى
الجدد منهم، كانوا بانتظار لحظة انفجار الثورة السورية كي يروا بأم العين كيف من
الممكن أن تترجم أفكارهم حول التغيير والانتقال الديموقراطي، بيد أن المفاجأة كانت
عندما انفجر الصراع وبعد بضعة أشهر رأينا كيف هاجر أغلبهم إلى دول اللجوء وتحديداً
الأوربية منها. وكأن الثورة عوضاً من أن تكون فرصة لاختبار أفكارهم التي نادوا
بها، كانت فرصة لتحسين شروط حياتهم الشخصية.

غادر الناشطون والمثقفون السوريون أو أغلبهم إلى خارج البلاد، وترك الصراع
على غاربه، وتسيد المرحلة أبطال محبطون ساهموا في صياغة خطاب المرحلة المتطرف.

بسهولة قل نظيرها تسلل خطاب التطرف بين صفوف السوريين من كل الأشكال والألوان،
وبات شهادة لكلا الجانبيين عن حسن الانتماء.

تطرفوا أكثر، تصبحوا أكثر صقلاً لهويتكم، إن كنتم من هذا الطرف أو ذاك.
تطرفوا أكثر حتى تبدو الثورة عبارة عن مكافحة للإرهاب في أعين الغرب والشرق، وقت
ذاك ينجح العالم المتمدن في التنصل من مسؤولياته حيال شعب يذبح على مرأى من ثقافة
الديموقراطية وفلسفة حقوق الانسان ذائعة الصيت.

خسر السوريون تميزهم في هذه المعركة التي تحولت من ثورة إلى حرب أهلية من
المعلوم متى تبدأ؟ ولكن من شبه المستحيل معرفة موعد انتهائها. وخسر المنتفضون
موقعهم كفاعلين في عملية التغيير، ليحل محلهم أطراف من كل حدب وصوب، ليس أولهم
الطرف الإيراني وليس آخرهم الجبهة الاسلامية “لتحرير الأسرى”!.

على تخوم الحدود السورية، في بلدان اللجوء، تكاثرت المنظمات الدولية غير الحكومية
كما الفطر، وتمكنت بسهولة قل نظيرها في استقطاب الشبان والشابات الخارجين من
بلادهم لينخرطوا في مجالات عملها والذي ساهم في تمييع ثقافتهم الثورية والتي كانوا
قد اكتسبوها قبل وقت قليل، ليتحولوا تدريجياً إلى ناشطين إداريين تارة بصفتهم
مراقبين للديموقراطية، وتارة باحثين في أصول الحرب والسلم وحل النزاعات الأهلية!،
في الوقت الذي كانوا عاجزين عن حل مشاكلهم الشخصية!.

اليوم لا أحد منا بمنأى عن هذا الخراب، والذي بات واضحاً أكثر من أي وقت
مضى، وإذا كان لابد من موجة ثانية لثورتنا فستكون هذه المرة ضد انحرافاتنا وليس في
سبيل إسقاط النظام فقط.

شاهد أيضاً

أردوغان يحذّر بوتين من الهجوم على إدلب

    حذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من السماح للنظام …

استئناف “مفاوضات درعا” بوساطة أردنية

أعلن المعارضة السورية المسلّحة، المُقاتلة في محافظة درعا جنوب البلاد، عن استئناف المفاوضات اليوم الأحد، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × 1 =