الآن
الرئيسية / تحقيقات / استنساخ الفشل

استنساخ الفشل

مرهف دويدري

منذ بدء الثورة، وتسارُع تواتر الأحداث، كانت
الخسارة الأكبر من نصيب العملية التعليمية، سواء أكانت في المناطق التي يسيطر
عليها النظام، أو المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة، أو ما يسمّى
بالمناطق المحررة التي خرجت عن سيطرة النظام، ولم يعد لوزارة التربية في حكومة
النظام أي سلطة حقيقية عليها حتى على مستوى المنهاج الذي يدرّس في تلك المدارس.

حاولت فعاليات المجتمع المدني إيجاد مدارس بديلة عبر
افتتاح عدد كبير من المدارس في الدول المجاورة بأموال التبرعات التي ربما تتوقف
بعد فترة طالت أم قصرت، هذه الفترة التي تكون في أغلب الأحوال دون أيِّ ضمانات
لاستمرار هذا الدعم الذي يكون متدفقاً في بداية العام الدراسي، حتى يصل إلى مرحلة
النضب أو الانقطاع النهائي قبل نهاية العام الدراسي، ممّا يفرض على هذه المدارس،
التي تعمل في الأغلب بطريقة غير إدارية أو تربوية، على اعتبار أن هناك داعماً يريد
تمرير فكرة أو أجندة معينة من أجل دفع أموال الدعم لاستمرارية المدرسة، حتى لو أُسيء للعملية
التعليمية بكاملها! الحقيقة أنه هناك تيارات معينة تحاول ومنذ العام الدراسي الأول
في زمن الثورة أن تفرض صبغة معينة على أغلب المدارس التي تقوم بدعمها، وهذه
التيارات الداعمة الثرية التي تحاول من خلال فرض هيمنتها على العملية التعليمية عن
طريق دعم عدد من المدارس أو التجمعات التعليمية، دون غيرها، التي بدورها لا تملك
إلا الخضوع للأجندة السياسية لهذا التيار، دون العمل على اعتبار أن العملية
التعليمية يجب أن تكون مستقلة عن أي تجاذبات سياسية أو انحيازات فكرية، ودون
الاكتراث لفكرة أن هؤلاء الطلاب، بشكل طبيعي، ينتمون إلى مجتمع واسع، وطيف عريض من
الأفكار والمشارب، التي على الأغلب، لا تتفق مع توجه هذا التيار الداعم، مما يخلق
فجوة بين المدرسة والطالب، وتتحوّل العملية التعليمية من إعداد الطلاب لبناء مجتمع
سليم، ومتعلم، ومثقف، إلى خلاف في الآراء. فيعدُّ الطالب كل معلومة يحصل عليها
مشكوك بصدقيتها، والطالب إلى شخص فاشل غير مرغوب به في المدرسة، وهنا تنتهي
العملية التعليمية، وتتحوّل إلى رواتب مدرّسين تقطّعت بهم السبل، أو أن مدارس لا
تحصل على الدعم الكافي أساساً، فتبدأ حملات استجلاب الدعم التي يقودها الكادر
الإداري للمدرسة، فتتحول هذه المدرسة من مكان للعملية التعليمية إلى مكان أشبه ما
يكون بالتسوُّل من بعض الداعمين، الذين يقدّمون الدعم من أجل صورة أو مقطع فيديو
يقدّمه إلى الجهات الدولية، ليحصل هو بدوره على الدعم من أجل مؤسسته التي يسميها
“داعمة”. على سبيل المثال لا الحصر – فالأمثلة كثيرة جداً– في إحدى
المدارس السورية، التي لا تتلقى دعماً من أي جهة من المعارضة السياسية السورية، وأعني
وزارة التربية في الحكومة المؤقتة، أو الهيئة التعليمية، أقدمت على طرد مدرّس
الموسيقا، بعد أن قام بتدريس الموسيقا لفترة تتعدى الشهرين دون مقابل، وكان هذا
المدرس قد طرح نفسه على أنه يقوم بتعليم الموسيقا للطلاب متطوعاً، ولا يريد
مقابلاً لقاء عمله، إلا أن الداعم، وهو شخص متنفذ في الثورة، اشترط على المدرسة أن
أيَّ دعم تحصل عليه المدرسة مشروط بعدم تدريس الموسيقا أو الرسم في هذه المدرسة،
على اعتبار أن الموسيقا والرسم “حرام شرعاً”، وطبعاً هذه الفتوى لهذا
المتبرع.

وكي يحصل
المدرّسون على راتب لشهر واحد، على اعتبار أن كل المدرسين لم يحصلوا على أي مبلغ
مالي منذ بداية العام الدراسي، استجابوا لانتهازية هذا الداعم، وطُردَ مدرّس
الموسيقا من المدرسة. وفي مثال آخر لمدرسة أخرى، يمنع المدرس طالباً من دخول الصف،
لأنه يمارس هواية التعلُّم على آلة “الكمان” في المنزل، وقد وشى به أحد
زملائه في الصف، فما كان من المدرّس إلا التهديد على اعتبار أن الموسيقا
“حرام
“!

شاهد أيضاً

نازحون في مدينة الضمير - صدى الشام

النظام يجبر نازحي الغوطة على العودة دون أدنى مقومات للحياة

صدحت مآذن المساجد في مدينة الضمير بمنطقة القلمون في ريف دمشق الشمالي الشرقي بنداء يطالب …

“الاتحاد الديمقراطي” من تشويه “القضية الكردية” إلى حضن النظام

لم تقف واشنطن مع حليفها “وحدات حماية الشعب الكردي” الجناح العسكري لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × three =