الآن
الرئيسية / ثقافة / استعارة رواندية

استعارة رواندية

الكسندر
أيوب

عندما
تعيش مأساة حرب، يبدأ دماغك بالبحث تلقائياً في أدق التفاصيل، علك تجد أيّ أمل يدلك
على نهاية تلك المأساة، فالواقع بات ضبابياً، ترجع إلى أساطير التاريخ، لتقرأ كيف تبدأ
الحروب؟ وكيف تنتهي؟

تلجأ إلى الكتب السماوية منتظراً معجزة إلهية، تعود
لأزمنة أقدم مما يحكيه سفر التكوين، علك تجد أية مقاربة لحاضرك المؤلم، وربما تلجأ
للسينما، فغالباً ما تكون مآسي الشعوب، مادة مغرية للعدسة، تلك العدسة التي جسدت إحداها
في
HOTEL RWANDA، فيلم دراما، من إخراج
” تيري جورج “، وكتابة ” كير بيارسون”، أُنتِجَ في إيطاليا وجنوب إفريقيا عام 2004 يحكي قصة حقيقية
عن حياة “بول روسيساباجينا”، والذي لعب دوره الممثل “دون شيدل”،
كمدير للفندق الذي ضمّ أكثر من ألف لاجئ من التوتسي خلال نضالهم ضد ميليشيا الهوتو
في رواندا..، رواندا التي لا يمكن أن تختزل بفيلم سينمائي، هناك حيث فندق ” ميل
كولين”، والذي يديره بطل الفيلم،” بول ” في فترة الحرب الأهلية في رواندا،
بين القوات الحكومية ” الهوتو ” وثوار ” التوتسي ” وعلى بعد أمتار
خارج أسوار الفندق، تدور مذابح بالآلاف من القوات الحكومية بحق التوتسي، فيتحوّل الفندق
إلى ملجأ لمن استطاع إليه سبيلاً، ومنهم عائلة بول وزوجته ” تاتيانا”، التي
تنتمي إلى التوتسي، والمغرمة بزوجها بول المتحدّر من الهوتو، حيث يلجأ إلى الفندق ما
تبقّى من دبلوماسيين أوربيين في رواندا.

تدور المجازر بطريقة لا يتخيلها سوى عقل “المواطن
السوري “فلا يعرف الجرح إلا مَن به ألمٌ، مع صمت مطبق من المجتمع الدولي، حيث
يجتمع مجلس الأمن، ثم يحل، ثم يجتمع، ثم يحل، ولا أمل ينقذ رواندا سوى بضع قرارات تلحق
العار بمن أصدرها، كإجلاء الرعايا الأجانب، وترك ما تبقى من روانديين لمصيرهم، أحد
أبطال الفيلم، مراسل صحفي لإحدى المحطات العالمية، يحمل كاميرته، ويخرج من الفندق ليوثّق
ما يحدث، وبعد عودته من تصوير مشاهد صدقتها عدسته أكثر من دماغه البشري، يستوقفه
“بول” ليشكره،( بأنك قد نقلت ما يحدث لنا إلى العالم )، فيجيب الصحفي متعاطفاً
( لكن لن يتغير شيء يا بول، فهذه الصور ستبث في نشرة التاسعة، حيث بعض المتخمين الأمريكيين
يتناولون عشاءهم، سينظرون إلى التلفاز، ويغيرون ملامح وجوههم ممتعضين ويكتفون بالقول
تلك فظاعة، ثم يعودون لطعامهم ) تركت رواندا لمصيرها الذي أفضى لأكثر من مليون قتيل،
وسط تردد شديد من الرئيس الأمريكي “بيل كلينتون” في تلك الفترة، وصمت الأمم
المتحدة، وقلق رئيسها “بطرس بطرس غالي”
أكثر من قلق “بان كيمون” على سوريا اليوم.

تركت رواند لمصيرها إلى أن استطاع الثوار السيطرة
على العاصمة “كيغالي” عام 1994 وبسط
سيطرتهم على أنحاء البلاد كافة.

وفي تصريح للرئيس بيل كلينتون، عن أكثر ما أرقه في
فترة ولايته الرئاسية، أجاب،” شبح رواندا مازال يطاردني”، واليوم لا أحد
يستطيع توقّع أية نهاية للفيلم السوري، ذاك الذي طال إنتاجه، ويشرف عليه العديد من
المخرجين، ولكن من المؤكد أن شبح المأساة السورية سيحاصر الجميع، ولن تهدأ تلك الروح
حتى تتقمص كلّ من خذلها.

شاهد أيضاً

وضوء الدم!

ركعتان في العشق لا يكون وضوءهما إلا بالدم، تلك إحدى تجليات صوفي خلع الخرقة وترجل …

الموسيقى العربية من العصر الجاهلي إلى التكنو الحديث في باريس

يجول معرض في باريس على تاريخ الموسيقى العربية في عهودها المختلفة، من الحداء في الجاهلية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 − twelve =