الآن
الرئيسية / رأي / استراحة محارب، واسألوا الساروت

استراحة محارب، واسألوا الساروت

ثائر الزعزوع

شكلت اللقطات المتلاحقة التي بثتها القنوات التلفزيونية
لثوار حمص، وهم يغادرون معقلهم الأخير إثر الاتفاق الهدنة الذي وُقّع، شكلت صدمةً
للكثيرين من حجم الدمار الذي تعرّضت له حمص المدينة الوادعة، وكذلك حجم الحقد الذي
يحمله الطرف الآخر، فما معنى أن يقف عسكري سوري على أنقاض حمص ليلوّح بعلامة النصر
وبصورة بشار الأسد، هل هي دعاية انتخابية للأسد؟ مثلاً انتخبوا من يستطيع تحويل
مدنكم إلى أنقاض؟ انتخبوا من يستطيع حصاركم وقتلكم وتجويعكم وإخراجكم من بيوتكم.
هل ثمة دعاية انتخابية أحطّ قيمة من هذه الدعاية؟

وقد رافقت تلك اللقطات الموجعة احتفالات على الضفة
الأخرى بعودة حمص إلى حضن الوطن، وكأن حمص كانت مسافرة وعادت، وبدأت
“ماكينة” إعلام النظام تستعرض عضلاتها في إبراز اللحمة الوطنية في أبهى
صورها، الباصات الخضراء البغيضة التي تحوّلت من وسائل نقل عامة إلى وسائل قتل
واعتقال غسلت شيئاً من قذارتها بأن حملت داخلها أولئك الشباب الذين أدهشونا
بصمودهم، وقدرتهم على تحدّي قوات النظام المسنودة بقوات طائفية من لبنان والعراق
وإيران.

بطبيعة الحال،
خرج الثوار ومن بينهم ذلك الشاب الاستثنائي عبد الباسط الساروت أو كما يسمّى حارس
الكرامة السورية، خرج نحيلاً متعباً، لكنه لم يكن خائفاً، ولم يكن يائساً.

كان المؤيدون يتحدثون عن مشاعرهم، كلّ حسب الدور الذي
أسند إليه، إحداهن قالت ما طلب منها تماماً لكن زلة لسان أوقعتها، وكشفت المسرحية
كاملة، أحدهم ارتبك أمام الكاميرا لم يعرف ماذا يمكن أن يقول؟ كان المراسل يحثّه
كي يكمل، قل يا رجل، تحدّث، لكنه لم يقل، فقام المراسل بالدور، وتحدث عن مشاعره.

أما الساروت فقد
كان لكلماته وقع السحر، كان واضحاً وضوح الشمس، وكانت شجاعته قادرة على اختصار
الحكاية كلها، لابد من الانحناء قليلاً ليتاح الوقت لمداواة الجروح، ولهذه الأجساد
المنهكة أن تستعيد قدرتها على الصمود أكثر، وبعدها ثمة عودة أكيدة.

هذه حال الثورات، تقدُّم وتراجُع، هذه هي حال الكفاح
المسلح، ما يهمّنا هو هذا الحمصي المدهش، هو الذي أصغينا إلى صوته في البداية، وهو
الذي دفعنا صوته للتفاؤل من جديد، التفاؤل نعم، صحيح أن نائحي الفيس بوك وتويتر بدؤوا
اللطم على حمص باكراً، واعتبروا اتفاق الهدنة بداية نهاية الثورة، لكن وما أدراهم
بما يحدث على الأرض، ومن فوّضهم التحدُّث باسم حمص؟ بل ما أدرانا جميعاً، صحفيين
وشعراء ومغنين، وهاربين، ما الذي يعلمه المحللون السياسيون بل وحتى الخبراء
العسكريون والاستراتيجيون الذين أسهبوا في الحديث والتحليل؟ وحدهم أولئك الذين
خرجوا متشحين بصمودهم وإصرارهم مفوضون للحديث ولقول ما لم يقله أحد. هي جولة أخرى،
هكذا كانت ملامحهم تقول، ولم تنتهِ الحكاية بعد. هي استراحة محارب وبعدها ستعود
الحكاية من بدايتها، لعل علينا أن نغنّي: يا حمص سامحينا، وأن نتضرع لها كي
تسامحنا حقاً، ولنسترجع بشيء من الفخر تلك اللقطات الأولى: قدم ذلك الفتى الحمصي
وهي تنهال ركلاً على صورة حافظ الأسد، فوق
نادي الضباط، أولئك الشباب الحماصنة وهم يجلسون في اعتصام الساعة الشهير، أهل حمص
جميعاً وهم يغنون في البياضة ودير بعلبة، في باب السباع والخالدية، في باب هود وفي
كل حي من أحياء المدينة التي أخذت من خالد بن الوليد لا اسمه فقط بل حتى صفاته،
فجسدها لا يخلو من الطعنات، وقدرتها على الاحتمال تفوق كل تصور، ليست رومنسية أن
تكون عاصمة للثورة، وليست رومنسية أن تكون أغنية الثورة، فمنها انطلقت أغانٍ
وأناشيد، وانتقلت ساعتها بين المدن، في القامشلي، وفي البوكمال، في دوما وفي
كفرنبل، في بنش وفي أعزاز، كلنا وقفنا حول ساعة حمص، وإن لم نذهب إليها، فحمص جاءت
إلينا، حمص سكنتنا شئنا أم أبينا، وهؤلاء الذين غادروها اليوم، بالأمس، لا فرق، لم
يغادروها حقاً لكنهم تمهلوا قليلاً، لعل الحلم السوري بحاجة لشيء من الهدوء، وبعده
قد يعود الحلم جارفاً ليقتلع هذه الديكتاتورية الفاشية التي تعتبر تدمير مدينة
لحمة وطنية.

قال محللٌ إنّ النظامَ يرسم حدود دولته عبر إخلاء حمص،
نعم كلنا نعلم أنه يريد أن يفعل ذلك، وما الغريب في هذا؟ فالنظام سيقيم في حمص
انتخابات رئاسية، وسيقوم الممثلون الهزليون الذين لقنهم أدوارهم بانتخاب بشار
ليكون رئيساً، وهذا أيضاً ليس غريباً، وسيجلس بشار على الكرسي لولاية ثالثة، وما
الغريب في هذا، لكن كل هذه المسرحية الغبية لا يصدقها أحد، ولا أحد، فالحقيقة هناك
الآن في الدار الكبيرة وفي الريف الشمالي، حيث يمكث الثوار يداوون جراحهم،
ويستعيدون عافيتهم، فهم متعبون، وهم منهكون، تخلى عنهم
العالم، بل تخلينا عنهم نحن، لكن المحارب لا يلبث أن يقف ثانية على قدميه ليستكمل
الحلم، هكذا قال الساروت، ونحن نصدقه، فهو الذين قال لنا مرة إن سوريا جنة، ونحن
صدقناه، نعم صدقناه، وليس علينا سوى أن نصدقه مرة أخرى، يا عبد الباسط، أنت صوتنا.

شاهد أيضاً

اعترافا بالهزيمة في سوريا .. وانكسار النظام

هذه المرة، لا أكتب مقال رأي سياسي، بل أبوح بحجم الهزيمة المرّة التي تعتصر صدورنا، …

جلال بكور

حل أمريكي إسرائيلي وتنفيذ روسي

لم يأت تقدم قوات نظام الأسد بدعم روسي باتجاه درعا إلا بإيعاز أمريكي إسرائيلي يهدف …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × one =