الآن
الرئيسية / سياسة / تقارير / إعلام أوليا جلبي

إعلام أوليا جلبي

عبد القادر
عبد اللي

كان الرّحالة
التركي أوليا جلبي عندما يرى عشرين شخصاً، يقول: كان الناس على مدّ البصر، لا يظهر
آخرهم” وإذا وصف سرعة رجل، يقول: “أسرع من رمح، وخطوته بطول عشرين ذراعاً”،
ما زلنا نقرأ أوليا جلبي من باب الوصف الفني لما رآه في عصره، ما مناسبة أوليا جلبي
الآن؟

منذ شهور
طويلة وعناوين الصحف التركية اليومية المتعلقة بسوريا الداخل على النحو التالي:
“في إطار العمليات التي ينفّذها النظام ضد المعارضة قتل ‘كذا’ شخص.” كأن
العنوان يجري له نسخ ولصق، ولا يتغير سوى الرقم الوارد فيه.

طبعاً هذا، غير مفردة “الحرب الأهلية”
التي باتت منذ حوالي سنتين لازمة في الخبر السوري المنشور في الصحافة الموالية للحكومة
التركية أو المعارضة لها. هل الإعلام التركي المعارض والموالي كله جزءٌ من المؤامرة
على الشعب السوري، وهو مع نظام الملالي؟ ممكن!!

لم يعد
الخبر السوري، وخاصة أخبار الانتصارات وتدمير الدبابات وإسقاط الطائرات وقتل المئات
من قوات النظام أيضاً ترد في الإعلام التركي، اللهم إلا في خبر ضمن مربع صغير جداً
على صفحة داخلية يقول: “تدّعي المعارضة المسلحة أنها قتلت عشرات من قوات النظام”
وهل هذه أيضاً جزء من المؤامرة؟ ممكن!!

لنطرح الأسئلة
الآتية: “كم عدد الطائرات التي أسقطها ثوار الخنادق للنظام حتى الآن؟”،
“كم عدد الدبابات التي دمروها؟”، و”كم عدد الشبيحة والجنود والمرتزقة
قتلوا حتى الآن؟” لا يوجد إحصائيات؟ لماذا؟ وهل هناك معركة في العالم يمكن أن
تجري دون تقدير كل طرف لقوة الطرف الآخر؟ لابد أن هذه أيضاً يفعلها أعداء الشعب السوري
ومعارضته الفندقية اللعينة ذات النجوم الخمسة!

توقف إحصاء
الطائرات المسقطة منذ أن تجاوز العدد ما يملكه النظام السوري. فعدد الطائرات لدى الدول
عموماً معلوم لأجهزة المخابرات العالمية ومراكز البحث والدراسات، وتقديم الإمداد فيها
أيضاً معلوم.

تدمير الدبابات
أيضاً تم التوقف عن إحصائه، فقد فاق عدد المدمر والمغتنم ما تمتلكه سوريا بأربعة أضعاف
أو خمسة، هذا غير التي اُغتُنمت.

لو جمعنا
“الغنائم” لسلّحت أربعة أو خمسة جيوش كبرى، وكل أسباب الهزائم عدم وجود السلاح
والذخيرة.

أعداد القتلى
هي المصيبة الأكبر إذا لا يمرُّ يوم إلا ويسقط في رشقة الهاون عشرات، وفي كل اشتباك
أو كمين مئات، والمعروف أن المئات من ثلاث إلى تسع، فلو أخذنا الرقم الأدنى، وكل يوم
أربعة أو خمسة اشتباكات ومثلها رشقات لكان الرقم في حده الأدنى ألفاً وخمسمائة يومياً،
وهو خمسة وأربعون ألفاً في الشهر، وخمسمائة وخمسون ألفاً في السنة، وفي سنتين يغدو
الرقم تسعمائة ألفاً، وعندما نحسب سنتين ونصف فقط يتجاوز الرقم عدد الجيش الصيني أكبر
جيوش العالم من حيث العدد. طبعاً هذه الحسبة البسيطة تجريها وكالات الأنباء ومراكز
الدراسات والأبحاث، وهم يأخذون التصريحات، وعند أخذ التصريحات سيظهر أن الرقم أربعة
أو خمسة أضعاف ما توصلنا إليه

طبعاً ما
يفعله النظام يفوق ما يفعله ثوار الخنادق، فالأفغان الذين قتلهم النظام في سوريا يساوون
ثلاثة أضعاف عدد سكان أفغانستان (علماً أن نسبة كبيرة من الأفغان تقاتل في صفوف النظام
حيث أنهم شيعة)، والسعوديون الذين قتلهم يبلغون ضعفي عدد سكان السعودية على الأقل،
والإرهابيون السوريون الذين قتلهم يتجاوزون أربعة أو خمسة أضعاف عدد سكان سوريا.

النظام
كاذب، وهو يعرف أنه كاذب بدليل أنه عندما يريد أن ينشر خبراً مهماً يعطيه لإحدى المؤسسات
الإعلامية العالمية، وينشره بالأجرة، ويختار تحديداً وسيلة تنشر ضده أكثر مما تنشر
معه. وقول هذا جزء من المؤامرة
..

نعم كلنا
ساهمنا بهذه المهزلة بشكل أو بآخر، فقد رفعنا من شأن النشطاء الإعلاميين إلى درجة السوبرمانات،
وهذا حقهم، فهم يخاطرون بأغلى ما لديهم من أجل القيام بدورهم، ولكن هل البطولة تعني
العصمة؟ حبنا لأوليا جلبي جاء نتيجة المتعة بقراءته، وليس نتيجة تصديقه.

ألا نخدم
بهذه الأرقام مقولة نظام الملالي: “الشعب السوري كله مع الأسد”؟ بما أن لديه
مئات الآلاف من المقاتلين الذين يموتون في سبيله، لماذا تقومون ضده؟ وهل تتوقعون دعماً
من أحد إذا قمتم ضده وهو لديه هذه الأعداد الهائلة؟

المبالغة
عمل جميل وهو مهارة يعتمد عليها إبداع رسم الكاريكاتير والأدب الساخر، وقلة جداً في
العالم هم الظرفاء الذين يأسرون المستمعين بمبالغاتهم.

أخطر عدو
للإنسان هو نفسه. أوليا جلبي يكتب لكي يمتعنا لا لكي يرسم مستقبلنا السياسي، لو فعل
هذا لما بقيت كتاباته حتى الآن. اتّهام الفرد للآخرين وإلقاء مسؤولية فشله كله عليهم
مرض نفسي معروف، وقطعاً اسمه ليس مؤامرة، ولكن من أعراض هذا المرض أن يصرخ صاحبه مؤامرة.
هل لدى أحد الجرأة أن يقول: “نحن سبب غياب أخبارنا عن الصحافة الصديقة؟”
لأن هذا القول هو أول مؤشّرات الشفاء.

شاهد أيضاً

باحث إسرائيلي: إسرائيل لن تسمح بإسقاط نظام الأسد

كشف باحث إسرائيلي، أن بلاده لن تسمح بإسقاط نظام الأسد كونه يحمي حدودها منذ عام …

تعرّف على مكان وموعد جولة “استانا” القادمة

أعلنت الخارجية الروسية اليوم الجمعة، عن مكان وموعد جولة جديدة من المباحثات، التي تم البدء …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 + sixteen =