الآن
الرئيسية / ثقافة / إشكالية المميّز

إشكالية المميّز

يتميز الوضع السوري الآن
بالحرب الدامية التي تحدث في أراضيها، ممّا يمنح البلاد ميزة علامة فارقة في
التاريخ. لنتخيل كاتباً روائياً أو فيلماً يتكلم عن سفينة كبيرة وجميلة تبحر في
البحر، إذا قرر الكاتب أن يكون الفيلم عن الحالة الأكثر طبيعية في الحياة، والأكثر
تواتراً في الحياة، أي السفينة تبحر بشكل طبيعي، البحر هادئ، هناك تنوع كبير في
الحياة الاجتماعية على ظهرها.

البحارة الذين يعانون من البعد عن الأهل، ولكنّهم
يحبّون مهنة البحر، زوجان سعيدان، شخص مختبئ بجواز سفر مزوّر كي يصل إلى الشط
الأوروبي، ويطلب اللجوء، وغير ذلك. أي أن الفيلم يصوّر الحالة الطبيعية التي
يتوقعها أي إنسان سيصعد في السفينة. لكن لو حدث ذلك هل سيبقى للفيلم معنى؟ هل هذا
هو السبب في ضرورة مفهوم وممارسة “الغرابة” في العمل الإبداعي؟ إذا كان
الجواب “نعم” لهذا السؤال، فالعمل الإبداعي إذاً يقوم بوظيفة الإعلام
ونقل الخبرة النادرة التي يعيشها القليل إلى العموم.

هذه الندرة تُثبّت إذاً،
بطريقة ما، شبهتها منذ قليل بالفيلم. السؤال الآن هل العملية الإبداعية هي التي
تسبق، وتشكل هذه الندرة عن قصد، أم إن هذه الندرة بمجرد أن تثبت، وتكرّس بلحظة
تصبح ما نسميه نحن عملية إبداعية؟

أياً كان الجواب، فالمهم
هناك ترابط “بيولوجي” بين هذين المفهومين، بين تثبيت الندرة، وبين العمل
الإبداعي الذي تحتفل به الإنسانية.

إذا فتشنا في عمليات
التثبيت التي تظهر في الساحة السورية، نجد أنها مثل أي منطقة أخرى في العالم، تظهر
أشكال التثبيت لشخصيات تاريخية أو معاصرة، ولا سيما الرئيس. التمثال أو الصورة هو
تثبيت أو ربط شخص الرئيس بالندرة وبالتالي بالقدرة والإرادة الفذة التي لا تقهر
والتي كانت قادرة على تغيير التاريخ.

الندرة أو الفجأة غالباً،
تفهم، وتدرك أنّها انحراف في التاريخ، ويصبح هذا الانحراف بحد ذاته معياراً
لالتقاط وتحديد هذه الندرة، ومن هو صاحب أو أصحاب هذه الندرة.

التمثال يعبّر عن شيء واحد
هو الإرادة الفذة التي استطاعت أن تغيّر التاريخ، لماذا لم يصنع تمثال لبشار الأسد
على عكس أبيه؟

لأن حافظ الأسد استطاع في
تاريخ ما، أو غفلة من التاريخ أن يصنع ما سماه هو ومؤرخوه: الحركة التصحيحية، ثم
الحرب في تشرين، والتي سماها حرب تشرين التحريرية، رغم أنها كانت حرباً خاسرة! لكن
المهم هو التاريخ: حافظ استطاع أن يكون شخصاً ذا قدرة فذة على تحقيق انحراف في
التاريخ العربي، لذا امتلك كل مبررات إقامة تمثال. أما ابنه الصغير بشار،
فالانحراف الذي كان سيحققه في التاريخ ليس سريعاً أو فجائياً كما أبيه، وإنما ربما
كان سيتحقق بعد زمن طويل من الحكم الذي كان سيأمله، فيصبح التراكم هو الكفيل
بتحقيق هذا الانحراف.

في العالم كله وعبر زمن
طويل، التمثال يعبر عن هذه الندرة، لذا اي رئيس سيحاول أن يصنع لنفسه تمثالاً بدون
“قاعدة المعيار ” التي تكلمنا عنها أعلاه، سيصبح تمثاله هشاً حتى في
لاوعي الجماهير المقموعة.

إذا انتقلنا إلى الشخصيات
الأخرى التي تُثبّت ندرة إرادتها في تمثال أو في أشكال أخرى مثل: الصورة على
العملة الورقية، أو الطابع أو تماثيل صغيرة على شكل ألعاب… كالعلماء والشعراء
والفنانين وغيرهم، فإن هذا التثبيت يبدو أنه يُهمِل التراكم البشري الذي كان يسبق
جهد هذا أو ذاك، والذي لولاه لما كان فلان فلاناً! فالقائد التاريخي البطل، لم يكن
بطلاً لولا مئات وآلاف الذين قاتلوا معه وماتوا، أو خططوا معه وربما فاقوه
بذكائهم، وربما لا يكون هذا القائد أكثر من خدعة تاريخية. لذا هذا التثبيت للندرة ينطوي
على الكثير من الظلم لأنها تستند إلى “قاعدة معيار” وأي معيار خاضع
للخطأ وللتشويه حكماً. ومن جهة أخرى هذا الشخص فعلاً لابدّ أنه قد تمتع بالإرادة
إذا أردنا أن نكون دقيقين، لا بالذكاء المميز أكثر من غيره، لأنه استطاع أن يستفيد
من التراكم الإنساني الذي كان وراءه، بطريقة عجز عنها الآخرون. لذا قلت أعلاه إن
التثبيت (كتمثال أو لوحة ….) هو تكريم للإرادة.

هذا التثبيت يلعب دوراً
ضرورياً في كونه يدعو لتحطيمه، في منافسة علنية، وأيضاً بكونه متعذراً تحطيمه إلى
الأبد، لأنه وُجِد وحسب. حافظ الأسد سيبقى بالنسبة لنا شخصاً مجرماً، ولكنه
بالنسبة للكثيرين بطل. وسيبنى له تمثال هنا أو هناك، والأغرب أن الذين يرونه
مجرماً، سيضطرون،ـ كما أفعل أنا هناـ إلى السخرية منه في الكاريكاتير أو في
الكتابة أو … وبالتالي يكرّسونه كشيء وجد، سواء أكان خيّراً أم شريراً.

التثبيت لا يهمُّه المعايرة
الأخلاقية، لماذا؟ لأنه بالأصل انحراف في التاريخ، وهو سيذهب إلى عالم الموت، لذا يبقى
أمامه تحدٍّ واحدٌ وهو أن يبقى موجوداً.

لكن إذا فهمنا التثبيت الأسبق
كتكريم “إرادة” حينها نعلم لماذا يخلد هتلر كما بوذا… هناك تسابق في
الإرادة على هذا الوجود، من ينجح في قطع حدٍّ معيّن، لا يمكن لأحد أن يقول له لا
تكن.

شاهد أيضاً

وضوء الدم!

ركعتان في العشق لا يكون وضوءهما إلا بالدم، تلك إحدى تجليات صوفي خلع الخرقة وترجل …

الموسيقى العربية من العصر الجاهلي إلى التكنو الحديث في باريس

يجول معرض في باريس على تاريخ الموسيقى العربية في عهودها المختلفة، من الحداء في الجاهلية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 − ten =