الآن
الرئيسية / رأي / أذبك بالسجن

أذبك بالسجن

ثائر الزعزوع

منذ ثلاث سنوات ونيّف أي منذ بدء الثورة المباركة بات
اعتيادياً بالنسبة لنا البحث عن مقاطع الفيديو التي تصوّر همجية وإجرام النظام،
ولأن وسائل الإعلام عاجزة عن الوصول في أغلب الأحيان، فقد اعتمدنا جميعاً على ما
يمكن تسميته “السرقة” أو اللقطات المسروقة، وقد عرفت هذه الظاهرة بالفيديوهات
المسربة، التي استطاعت الوصول في زمن قياسي إلى العالمية، وصار بإمكانك أن تحصد
مشاهدات كثيرة بمجرد وضع عنوان “فيديو مسرب” لأحد الفيديوهات التي
تنشرها على موقع اليوتيوب، طبعاً بالإضافة إلى بعض العناوين المثيرة للغرائز، أو
للنفس البشرية الأمارة بالسوء، ويمكننا إحصاء أكثر من ثلاثة ملايين فيديو سُرّبت وتناقلتها
الكثير من وسائل الإعلام العالمية والعربية، لمظاهرات قمعت، لإطلاق نار، لتعذيب،
لشتائم، لحظة سقوط قذيفة على أحد المساجد، وهلم جراً، وأنشئت قنوات وقنوات على
موقع اليوتيوب لنشر تلك المقاطع، حتى بات من الصعب التوثق في مدى قيمة بعض المقاطع
التي لا تعدو كونها “سخافات” تهدف إلى حصد المشاهدات حتى وإن كان على
حساب دماء السوريين.

والمدهش أن تلك “المقاطع المسربة” ما زالت
تلقى رواجاً على الرغم من سقوط النظام في بعض المناطق، وقدرة الناس على التقاط
الصور بسهولة وبدقة عالية ورفعها على
الانترنت، وقد حدث هذا فعلاً وبشكل مؤقت، إلى أن، وهنا تأتي الطامة الكبرى، يعني
إلى أن دخل “الجهاديون” الوهميون على خط الثورة، وبدؤوا حربهم على
الإعلام بوصفه أداة كفر ويجب القضاء عليه لأنه يفضحهم، ويكشف زيفهم وأكاذيبهم.

فولاة الأمر
الجدد الذين يختبئ كل واحد منهم وراء اسم تاريخي أو فانتازي كأبي سراقة وأبي
قحافة، أو خلف لثام يخفي وجهه، هؤلاء يؤلمهم جداً أن تنكشف حقيقتهم، ولذلك فهم
يعملون جاهدين للتخلص من أي ناشط إعلامي أو صحفي يمكن أن ينشر مقطعاً مسرباً
لفضائحهم التي يندى لها الجبين والتي تبين في الكثير من الأحيان
“عمالتهم” و”جهلهم” و”غباءهم”، ولكن الصور تصل، فقد
رأيناهم بأم أعيننا وهم يمزقون علم الثورة، ورأيناهم وهم يجلدون ويسرقون ويقتلون،
رأينا انتصاراتهم في إحراق “الدخان” وفي إجبار الفتيات على ارتداء
النقاب، وفي تحطيم المراكز الثقافية وتحويلها إلى مكاتب دعوية لنشر ما أمكن من
الجهل والتخلف، ورأيناهم وهم يحرقون الكتب على خطا المغول الذين اقتحموا بغداد في
زمن ما، رأينا كل ذلك، وسمعنا القصص التي جعلت الكثيرين يكفرون بالثورة وبما جاءت
به، فما لأجل هذا خرج السوريون هاتفين: حرية.

في حلب هاجموا مقر المحامين الأحرار، لأنهم يريدون إقامة
هيئة شرعية، وفي باقي المناطق حلوا المجالس المحلية لأنها تعبر عن الكفر، ونصبوا
قضاة شرعيين لا يعلم إلا الله من الذي منحهم لقب القضاة أو ماهية الشرع الذي
سيقضون به، فصار القاضي الشرعي أشبه بواحد من قادة الفروع الأمنية يسير مصحوباً
بمرافقين ملثمين بنادقهم تنشر الرعب بين الناس، وهو قادر على اعتقال من يشاء وقت
يشاء، وإقفال المدارس والمستشفيات وإقامة “الحد” في أي ساعة، حتى امتلأت
معتقلاتهم بالسوريين المعارضين لديكتاتوريتهم باسم الدين، فهل امتلأت سجون عمر بن
الخطاب باب مدينة العدل بالمعتقلين؟

نعم رغم التضييق الذي يمارسونه إلا أن الفيديو المسرب
قادر على تجاوز حواجزهم، فهم لا يكفرون مستخدم الانترنت إن سار معهم لكنهم قد
يعتبرونه مرتداً، إن خالفهم الرأي أو فضح جرائمهم، فالانترنت هو رجس من عمل الغرب
الكافر، ويجب على المؤمن أن يجتنبه، والتصوير حرام شرعاً، وأية كاميرا قد تتعرض
صاحبها للسجن، مع إنهم يتباهون وهم يجلدون، ويفتخرون وهم يسيئون لكل ما يمت
للإسلام بصلة، فأي إسلام هذا الذي يدعو إليه ملثم؟ وأي إسلام هذا الذي يبشر به
أشخاص لا يحفظون من القرآن سوى ما يخدم أهدافهم، بل أي إسلام هذا الذي يجيز لمؤمن
أن يخطئ في اللغة العربية، أوليس “قرآنا عربياً غير ذي عوج”؟

آخر ما سمعته وقرأت عنه هو قاضٍ شرعي عراقي وفد إلى
مدينة البوكمال هو أبو أحمد العراقي، وقد نصب نفسه بحكم المسلحين الذين معه قاضياً
شرعياً وبدأ حملته لتطهير المدينة من الكفر، والكفر وفق منظوره هو كل ما يخالف
عقليته، وهو يهدّد، ويتوعّد أبناء المدينة، بعبارة “أذبك بالسجن” التي باتت تميزه، والتي لا تختلف كثيراً عن
العبارة الشهيرة التي كان وما زال شبيحة النظام يستخدمونها “اعرف حالك مع مين
عم تحكي”، وخلف تهديد “العراقي” يقف مسلحوه الملثمون، وخلف كل هذا
وذاك تقف الرهبة من الدين، تماماً كما كانت تقف الرهبة من المخابرات ومن النظام حاجزاً
بين السوريين وبين أي تقدم، حتى انفجر البركان السوري واستطاع زحزحة تلك الهيمنة
الكاذبة القائمة على الخوف والترهيب والقتل والتشبيح، النموذج نفسه يتكرر لكن هذه
المرة خلف قناع الدين، ومثلما كان عنصر المخابرات يزاود على السوريين في انتمائهم
لسوريا، يزاود اليوم “العراقي” وسواه على المسلمين في إسلامهم، وهذه
ليست حادثة واحدة، لكنها واحدة من عشرات القصص التي تحدث كل يوم تحت شعار إقامة
الدولة الإسلامية، وأنا على ثقة أن “العراقي” ومن لفّ لفه لا يعلمون
حقيقة ما هي الدولة الإسلامية، هذا إذا كانوا أصلاً يعرفون الإسلام الحقيقي!!

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

11 + 5 =