الآن
الرئيسية / منوعات / مقلوبة ولكن بطعم النزوح

مقلوبة ولكن بطعم النزوح

رنا السيد أحمد

مع بدء العام الدراسي، يجلس جمعة على الرصيف بجانب خيمته في
منطقة الميدان، يراقب طلاب المدارس وهم يخرجون من مدارسهم، يطبق الصمت عند مرور
طفل من جانبه يرتدي الزي المدرسي ينظر له ويتابعه حتى يغيب عن ناظره.

إلا أن جمعة، على
الرغم من صغر سنه، فهو يدرك أنه لا يستطيع الذهاب إلى المدرسة، ولكنه يتمنى أن
يكون مكانه في المدرسة بدلاً من تواجده في الشارع، ليقول بصوت خجول منخفض ”
ياريت روح عالمدرسة، أنا حتى شحاطة ما عندي “

عشرات الأطفال انتشروا على الأرصفة حفاة، وملابسهم متسخة، فروا مع ذويهم من بيوتهم، خوفاً من القصف، حيث فرشت الأرض بخيام
صنعت من الكرتون وبعض الأقمشة، جاؤوا من
مخيم اليرموك والحجر الأسود والقدم ومناطق مختلفة من جنوب العاصمة دمشق؛ مراكز
الإيواء اكتظت بأعداد النازحين، ولم يعد هناك خيار أمام النازحين إلا خيمة في الشارع
تؤويهم، أو كرسي في حديقة يبيتون عليه.

أم محمد، نزحت مع
أطفالها من الحجر الأسود تاركة وراءها بيتها وذكرياتها الجميلة، لينتهي بها المطاف
في خيمة في الشارع. داخل تلك الخيمة كانت تعد الطعام لأطفالها وهم يحومون حولها،
تطهو المقلوبة تلك الوجبة المشهورة لدى الفلسطينيين، تعد من الأرز والخضار واللحم،
لكنها هذه المرة لم تطبخها كما اعتادت في منزلها، راحت تطهوها على”
الببور” دون أن تؤمن كافة المواد اللازمة لطبخها فاكتفت بما تبرع لها جارها
بائع الخضار به، تتحدث قائلة ووجهها غارق في حزنه: ” أعد المقلوبة ولكن بطعم
النزوح”.

فهم يعيشون حياة لا
تشبه حياتهم السابقة، و يأملون كل يوم العودة إليها، فتكلموا عن أسوأ ما يعيشونه
مشردين على الأرصفة، مخاوفهم من قذائف عمياء تسقط بقربهم أو عليهم، وهذا ما عبرت
عنه حميدة قائلة أنها “هربت من القصف لتلحقها القذائف إلى مكان توقعت أنه
أكثر أمناً”، والتي “رضيت أن تسكن بخيمة في الشارع، مقابل حماية أطفالها
من القصف العشوائي” وأضافت قائلة “لم يعد أي مكان آمنا ً في سوريا”.

وفي حين انشغل البعض بصعوبات الحياة الجديدة، من تأمين الطعام
واختراع أساليب ليتكيفوا مع حياتهم الجديدة، ترى إحدى العائلات وقد اخترعت وعاء
لغسيل الثياب من علبة كرتون وضع فيها كيس عازل، أو اختراع ما يشبه مرحاض قاموا بحفر حفرة صغيرة بجانب الخيمة.

بينما بعض الأهالي
يذهبون إلى حمامات عمومية في “كراجات درعا”، والتي تبعد عنهم حوالي ٢٠٠
متر لقضاء حاجتهم، أو ليستحموا ويدفع
بالمقابل كل شخص ٢٥ ليرة عند دخوله الحمام.

لا خيار أمام الأهالي إما النزوح والتشرد، أو الحصار والموت
جوعاً، وهذا ما تحدث عنه ناشط يعمل لدى
منظمة إغاثية في المخيم رفض التصريح عن اسمه، قائلاً “المخيم محاصر منذ ما
يقارب الـــ ١٥٠ يوماً، ومنذ عدة أيام توفي شخص من سوء التغذية وقلة الطعام”

وأضاف قائلاً أن “عدد سكان المخيم يقارب المليون نسمة من
بينهم مئة وخمسين ألف نازح فلسطيني، بالإضافة إلى نزوح من المناطق المجاورة “الحجر
الأسود” و”القدم” و”العروبة” و”حي الزين “، ولكن
لا توجد أرقام دقيقة بسبب عدم وجود منظمات تشتغل على التوثيق”.

فبعض العائلات فضلت البقاء في منازلها محاصرة، ومنهم من عاد بعد
نزوحه بأيام نتيجة غلاء المعيشة وعدم وجود مأوى، وفي بعض الأحيان خوفاً من
الاعتقالات العشوائية التي تطال الشباب والرجال.

وتابع قائلاً: “داخل
المخيم هناك حوالي ٤٠ ألف نسمة في ظل ظروف حياتية صعبة نتيجة الحصار”.

حملوا مع نزوحهم هموماً وآلاماً لربما تفوق احتمالهم، فمنهم من
فقد أبناءه أو أحد أحبته، ومنهم من لديه
طفل يحتاج لأدوية ويفكر في كيفية تأمين علاج له. ولكن في زخم هذه الفوضى الحياتية
التي يعيشونها، والكثير من الصعوبات التي تواجههم، هناك ما يهون المصاعب ويلوّن
حياتهم و ينبئهم بأن الحياة مستمرة. فولادة امرأة في إحدى الخيام تجعلهم يشعرون أنه
هناك أمل، وأنه سيولد من تلك الأوجاع فجر جديد. وأحياناً تجمعهم سهرة لخطبة أحد الشباب،
والتي ترسم فرحة وبسمة على وجوههم .

شاهد أيضاً

فيلا في طرطوس للبيع بمبلغ خرافي

تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، خبراً عن عرض فيلا في مدينة طرطوس الساحلية غرب …

نواعير حماة تعود للدوران

أعلنت وسائل إعلامي محلية سورية، أن فريق الهندسة التابع لمجلس محافظة حماة، سيعمل على إعادة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 4 =