الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / مراحل ثورية وثورة مستمرة

مراحل ثورية وثورة مستمرة

عمّار الأحمد

حدثت الثورة السورية، لأن هناك أسباباً محددة
فجرتها، بينما عوامل احتقانها كان تتكدّس تباعاً؛ ما فجرها كلية، هي انغلاق أفق
ملايين البشر تماماً؛ فقد انهارت الزراعة، وتزايد أعداد العاطلين عن العمل، وأوقفت
الدولة التوظيف منذ عقود، وبالتالي وباتباع النظام سياسات ليبرالية، تُخفف من يد
الدولة، وتُقوّي من يد السلطة، وتقوم بأكبر عملية نهب للمجتمع.

هذا
الوضع المرتبط مع شمولية قديمة ومستمرة، عدا عن شرط عربي ضاغط نحو الثورات، ونيل
الحقوق، وإسقاط النظم، هو ما أدى إلى اشتعال الثورة وتعاظمها؛ وكان واضحة دلالات
عام 2011، حيث أكد المجتمع السوري، على ضرورة المحاسبة وإقالة المحافظين، ومحاربة
الفساد والنهب، وإنهاء تحكم آل مخلوف وشاليش بمشاريع الدولة، وهكذا.

تطوّر كلُّ ذلك، نحو مظاهرات نصف مليونية
وربع مليونية ومئات الآلاف، ولم تقف فئة من المجتمع مكتوفة الأيدي، فقد شارك أغلب
الشعب وكلّ قواه السياسية، ليتوضح أن ما يجري ثورة حقيقية، وكونها شعبية كما نشير،
فهذا يعني أن أغلبية المشاركين بها هم من الفقراء أو الذي تدهورت حياتهم تباعاً
وأصبحت الحياة تتساوى بالموت؛ فكانت الثورة.

وبالتالي أين الدين الإسلامي من كل ذلك؟ كما
يرغب أكثر من محلّل إسلاموي أن يصف الثورة بإسلامية، وأن يرفض نقاد ذلك واعتبارهم يهاجمون
الدِّينَ، وكلام من هذا القبيل، وهو كلام إيديولوجي محض، ولا يفهم الواقع من أصله؟

لم
يحضر الدِّينُ الإسلامي أبداً، ولكن لم يغب كذلك، غير أنه لم يكن لا سبباً للثورة
وبالتالي لن يكون هدفاً لها، فهي ثورة شعب، يريد حقوقاً في السياسة والاقتصاد
وإيقاف النهب وتبني الديمقراطية والإقلاع بالزراعة والصناعة والتعليم وحق المشاركة
السياسية، وسواه.

أي
أن المجتمع السوري، قام بثورته كي يؤمن احتياجاته؛ قضية الهدف الديني، ليست واردة
بالأصل، وليس بالأصل من أحدٍ ضدها؛ اللهُمَّ إلا إذا جاء النقد من مثقفين موالين للسلطة، وربما ظهر من متخوفين على
مستقبل الثورة من الطائفية، وهم مخطئون في ذلك.

موضوع الطائفية موضوع سياسي بامتياز، ويتّكئ
على الدين، ويُسخّره بأبشع الطرق للوصول إلى غاياته في الإحكام على الشعب والتنافس
السياسي، أي أن الطائفية لا علاقة لها لا بالدين ولا بالثورة، بل يتم الشغل عليها،
وتصوير الثورة كثورة دينية، للوصول إلى السلطة؛ الشعب يعرف هذه الحقيقة، ويعرف أن
أغلبية سكان مدينة حلب هم مسلمون، وأصبحوا في مناطق موالية، وأغلب سكان دمشق من
السُّنَّة وصامتون وهكذا، وأغلب العاملين في الدولة لم يتحرّكوا بسبب خوفهم على
لقمة عيشهم بكلِّ بساطة؛ القصد أن القول بإسلامية الثورة هو محض تسييس مجاني، يراد
منه مكاسب سياسية فقط .

ويمكن لمن يرغب بفهم هذه القضية، أن ينظرَ إلى
لبنان، حيث الطائفية كنظام سياسي تُدمّر البلد، وتمنعه من الوقوف على قدميه، بينما
أكثر من عشرين بالمائة في لبنان يتزوَّجون بين الطوائف؟ فكيف يستوي الأمر؟ لا يمكن
تفسير ذلك دينياً، بل يفسّر من زاوية أن الطائفية مجرد علاقة سياسية وأيديولوجيا
تبتغي الهيمنة على السلطة لاحقاً، بينما الشعب يرفضها ويريد حياة أفضل، مع الحق
بالتديّن أو عدمه.

هذا الأمر لم يظهر في الثورة ذاتها؛ وظهر
بشكل واضح بالتحديد من الإخوان المسلمين، حيث قدموا أنفسهم كقادة ل سورية
المستقبلية، وهذا ما تمّ بالتعاون مع قطر، وعُقدت كلُّ المؤتمرات بغية تحقيق ذلك،
بل تشكّل المجلس الوطني ضمن هذه الرؤية. النظام بدوره ومنذ اللحظات الأولى، قال عن
الثوار أنهم إرهابيون وسلفيون، وكان كلامه واضحاً جداً، إن الإخوان يعودون من جديد
ورؤيتهم للدولة القادمة رؤية طائفية وهو سيحمي الأقليات، بينما الثورة ضد تلك الأقليات؛
حول هذه القضية.. عززتها المعارضة، فكلها طرحت أن الإخوانَ جزءٌ من الحياة
السياسية، وكلها لم تنتقد تكرارهم عن دور الشريعة والدَّمج بين المواطنة والشريعة،
وأن الشريعة تتضمَّنُ المواطنة لا العكس. بعقد الإخوان المسلمين لمؤتمراتهم وتصوير
أنفسهم أنهم هم قيادة الثورة أو الطامحون للسلطة.

حققوا بالضبط ما يريده النظام، أي الثورة ليست
شعبية، بل هي ثورة “سنية” ضد أقليات.

طبعاً النظام، لم يترك طريقة لتطييف الثورة،
ولم يفعلها، من الإعلام إلى القتل إلى طرق التعذيب إلى القتل والمجازر ذات الطابع
الطائفي، وسواها، ولكن المعارضة لم تفعل شيئاً إلا وكان القصد منها إبقاء الالتباس
قائماً بين الثورة والدين الإسلامي بالتحديد، وكان جراء ذلك تحييد ليست الأقليات
بل وأغلبية سكان حلب ودمشق، أي ظهر أن الثورة يكتنفها الإشكاليات ولا تطمئن أبداً،
وبسبب ذلك بقي هناك إشكال شعبي، و حتى لا نقول أقلوي، إزاء الثورة، وبقي وتطور،
ووصلنا إلى كوارث وقتل على الهوية في بعض المناطق، والتي عزّزت الميول الطائفية
وسبب انحسار في الميول المدنية والشعبية؛ إدخال حزب الله وبقية المرتزقة يأتي في
السياق ذاته.

لن يستطيعَ الإخوان، إحداث تأثير كبير، رغم
كل الدعم الذي حصلوا عليه، ورغم وجود هوى عربي في تونس ومصر، بالإطار ذاته،
وبالتالي كان لا بد من أمر جديد مختلف، ينهي فصلاً من فصول الثورة، أو ينهيها كلية
كما يشتهي النظام ودول إقليمية، حيث نجاحها سيؤدي آلياً إلى ثورات في بلاد عربية
متعددة.

هنا دَفع النظام الثورة للتّعَسْكُر الواسع،
وأطلق سراح جهاديين من سجونه، عدا عن قرابة 66 ألف سجين جنائي، بقصد وحيد إغراق
الثورة بالمشكلات؛ عسكرة الثورة، هو بالأصل هدف للمجلس الوطني، حيث لم يتوقفوا عن
المطالبة بالتدخل الخارجي وبالدعم العسكري وتهميش مدنية الثورة، وبأن الثورة لن
تنجح دون ذلك الدعم، مغفلين عن حماقة وغباء شديدين، أن الخارج لا يتحرك لسواد
أعينهم، بل يتحرك لمصالحه، وليس من مصالحه أبداً إنجاح الثورات؟!

وبالتالي رُفض كل شكل للنقد أو التدقيق في
أوجه الثورة وخياراتها، وتنظيم نشاطاتها وأعمالها، ومركزتها في إطار استراتيجية
وطنية ثورية، وهو ما فتح المجال واسعاً لكلِّ شكل من أشكال التدخل، وتم عقد
الصفقات بين الكتائب المقاتلة والقوى السياسية والدول الإقليمية والدول
الامبريالية، وهو ما دمّر قطاعات كبيرة من الثورة، ودفعها نحو خيارات المال
السياسي.

أكثر كارثة كانت بحق الثورة، هو تشريع جبهة
النصرة، حيث دافع عنها قادة سياسيون بارزون، وفي هذه الأجواء دخلت داعش ومقاتلون
جهاديون عالميون، وبدؤوا بذبح الثورة في المناطق المحررة، وهو ما فعلوه؛ وتمّ في البداية
التغطية على أفعالهم، ولكن ومع إعلان الانتماء إلى القاعدة، وتنبيه، اعتبرت أمريكا
أن هذا الموضوع خط أحمر، وعدّت النُّصْرة وداعش، خارج الثورة؟

النصرة وداعش وسواها مرفوضة في مناطق كثيرة
في سورية، أي أنّ كل التوجه الطائفي ومنه كذلك حتى الإخواني مرفوض، وبالتالي يريد
الشعب الوصول إلى أهدافه وليس من بينها الأسلمة أو التطييف، وأن الأخيرتين هما
قضايا سياسية محضة.

الشعب كان وبقي والآن، أقول كان وبقي يريد
بلاداً أفضل؛ فيها الدين جزء من الحياة اليومية لجميع الأفراد، ولكن بما لا يحوّل
البلاد نحو الطائفية؛ ربما نكون متفائلين بنظرتنا هذه، وربما يقول البعض ألا ترى
الطائفية وو؟

نقول
نعم نرى، ونرى أيضاً أن الإسلاميين سقطوا في مصر قبل الانقلاب العسكري وفي تونس
يتعثرون، وهكذا.

ولكن هناك خوف على مستقبل الثورة، يتأتى من
غباء وانتهازية المعارضة بالتحديد، حيث لا يوجد أي إستراتيجية وطنية لمستقبل
سورية، وهذا ما منع انتصار الثورة ومنع توسعها من قبل، وأدخل الجهاديين إليها،
وسمح للإخوان المسلمين ومن يواليهم أن يكون لهم مكان في ثورةٍ شعبيةٍ، لا علاقة
لهم بها إلا من زاوية دفعها نحو خيارات العسكرة أو التدخل العسكري، وبالتالي
للثورة مراحل متعددة، وهي مستمرة ولن تتوقف عن الصيرورة، إلى أن تحصل حقوق الشعب.

شاهد أيضاً

روسيا تطالب بإخراج “الخوذ البيضاء” من سوريا.. ودول غربية ترد عليها

طالبت روسيا، الدول الغربية بإخراج عناصر الدفاع المدني السوري، المعروفين باسم “الخوذ البيض” من إدلب …

صحيفة إسرائيلية: بشار الأسد احتضن تنظيم “داعش”

اعتبرت صحيفة “هارتس” الإسرائيلية، أن رئيس النظام السوري بشار الأسد، هو من احتضن تنظيم “داعش” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × one =