الآن
الرئيسية / اقتصاد / مخاطر اقتصاد السوق الحر، والاقتراض من البنوك الدولية

مخاطر اقتصاد السوق الحر، والاقتراض من البنوك الدولية

رانيا مصطفى

ألغيت الضربة الأمريكية لسورية، بعد الاتفاق على تسليم الكيماوي،
وظهرت ملامح الاتفاق الروسي الأمريكي بخصوص الحل السياسي في سورية، وحُدد موعد
مؤتمر السلام جنيف2؛ وبدأت كل الاستعدادات لدخول المرحلة القادمة. بالفعل دخلنا
بها: روسيا تحوز على عقود للنفط، والتي كانت من قبل من نصيب الأمريكان
والأوروبيين، فيما تستعد شركات مقاولة مرتبطة بها للانقضاض على مشاريع إعادة
الإعمار. ليس فقط روسيا، فمعظم الدول المعنية تتأهب لنيل حصتها سواء عبر الشركات
الاستثمارية العائدة إلى المافيات التجارية في تلك الدول، أو عبر استعداد بنوكها
لتقديم القروض. وعلى رأس تلك الدول ألمانيا، أكثر الدول الأوروبية براغماتية في
التعامل مع النظام والمعارضة على حد سواء، وكذلك دولة الإمارات العربية المتحدة
الداعمة أصلاً للنظام، ولكنها أكثر الدول تشبيكاً مع رجال الأعمال الموالين
والمعارضين للنظام معاً. والدولتان كانتا قد عقدتا عدة مؤتمرات لإعادة هيكلة
الاقتصاد السوري إلى الانفتاح الكلي، عبر تحرير كامل للتجارة الخارجية، وتسهيل الاستثمارات
الخارجية، ومساواتها بنظيرتها الداخلية، والأهم الاقتراض من الصناديق الدولية، ذات
الشروط التدميرية على الاقتصاد والإنتاج والغالبية العظمى من الشعب، لتمويل إعادة
الإعمار وبقية المشاريع الحيوية.

سورية واحدة من دول العالم الثالث. ومنذ استقلالها، فرضت طبيعتها
الكولونيالية تبعيتها للهيمنة الإمبريالية. لذلك فإن الطبقة البرجوازية فيها،
القديمة والجديدة، المرتبطة بالنظام أو بالمعارضة، سواءً التي تشبك مع الأوروبيين
والأمريكان، أو الخليجيين، أو الروس والصينيين، هذه الطبقة غير مستقلة، بل هي
تابعة لإرادات داعميها، لا شيء يضبط ميلها إلى الاستثمار في القطاعات التي تدر
عليها الأرباح المباشرة، ولا يمكن لها أن تبني اقتصاداً منتجاً إذا ما تركت
لانفلاتها وتبعيتها. فهي عاجزة عن أخذ دور غير دور الوسيط التجاري، والمفقِر
للغالبية الساحقة، والمستغِل لجهود العاملين. حتى تكون غير ذلك، أي حتى يكون
القطاع الخاص منتجاً وفعالاً في دعم الاقتصاد، يحتاج إلى أن تقوم الدولة بضبطه
ودفعه إلى الإنتاج، لا إلى السمسرة. هذا ما يعاكس التحرير الاقتصادي المطروح؛
وستتفاقم المشكلة وتتعقد في حال إقدامنا على الاقتراض من البنوك الدولية، ما يعني
ارتهاناً أكبر للإرادات الدولية، التي لا تريد لاقتصادنا أن يكون منتجاً بل
مستهلكاً لبضائعها، ومصدراً للمواد الخام بأقل التكاليف.

وكانت الحكومة السورية السابقة برئاسة العطري ونائبه الدردري، منذ عام
2007، قد أجرت خطوات متسارعة نحو اقتصاد السوق الحر، فأقرت العديد من التسهيلات
الجمركية على التجارة الخارجية، مما أدى إلى توقف القطاع الخاص عن الإنتاج
وانصرافه إلى الاستثمار في التجارة الخارجية، وفي القطاعات الهامشية التي لا تدعم
الاقتصاد المحلي كونها استهلاكية الطابع. وبموازاة ذلك وجهت ضربات قاسية إلى
القطاع العام، المنهك أصلاً بفعل النهب طيلة عقود، فخُصخِصت الشركات التي ما تزال
رابحة فيه (كشركة حديد حماه)، وحُلت شركات أخرى (كالكرنك)، فيما تم دمج عدة شركات
إنشائية، وتم الضغط على الموظفين وتأخير رواتبهم، لحثهم على التقاعد المبكر. لم
تستطع الحكومة التخلص من القطاع العام كلية، كما أراد له العطري، حيث أعلن نعيه
له؛ وذلك بسبب العدد الكبير من الموظفين العاملين فيه، فجرى تجميد دوره إلى حد
كبير، لإعطاء الفرص للقطاع الخاص، والذي بات يجني أرباحاً طائلة تعود كلها إلى
جيوب كبار المافيات التجارية، المرتبطة بالنظام ارتباطاً عضوياً، والتي تعود
أرباحها إلى البنوك الأوروبية المودعة فيها.

إذاً بالمحصلة حلت البضائع الأجنبية، الصينية والتركية ثم الأوروبية،
محل المنتج الوطني. كما أن تشجيع الاستثمار في القطاعات الهامشية اقتضى تحويل
العديد من الخدمات المجانية التي كانت تقدمها الدولة إلى المواطن إلى خدمات مأجورة
لصالح مستثمريها، فتكاثرت الجامعات والمدارس الخاصة، وكذلك المشافي الخاصة، مقابل
تراجع التعليم والصحة المجانيين. ولسد العجز الناتج في الموازنة تم فرض ضرائب
متزايدة على المواطن، ورفع الدعم على المحروقات والأعلاف، ما أدى إلى تدمير الزراعة
مباشرة. النتيجة عدد هائل من الشباب العاطل عن العمل، والمحروم من فرص التعليم
الذي صار مأجوراً، ومن فرص الزواج وامتلاك منزل، ومن الأمل بمستقبل أفضل، خاصة مع
التحكم الأمني المباشر في كل شؤون الحياة.

كل ذلك أدى إلى اندلاع الثورة الشعبية وتجذرها في كل المناطق السورية،
التي باتت تعاني من التهميش.

اليوم، والثورة في عامها الثالث، يواجه الشعب القتل والاعتقال والفتك
والتشريد، وقد تضاعفت نسبة المفقرين تحت خط الأمن الغذائي لتصل إلى 19%، وتهدمت
أكثر من مليون ونصف المليون وحدة سكنية، وتعطل ما يقارب نصف شبكات الاتصالات
وتوليد الكهرباء ونقلها، وشبكات المياه. تستعد الحكومة السورية لمشاريع إعادة
الإعمار، مع بدء الحل السياسي، حيث بدأت وزاراتها المعنية بدراسة الشروط الفنية
للشركات الإنشائية، وإعطائها كل (التسهيلات) على السلف و(المرونة الكافية)، ما
يعني بالدرجة الأولى تخفيض الضرائب على رؤوس الأموال، بحجة تشجيع المستثمرين،
وربما المساواة بين الشركات الخاصة الداخلية بالشركات الخارجية، في إطار تحرير
التجارة الخارجية. وكذلك أقرت الحكومة أن 75% من مكونات الخطة الخمسية الحادية
عشرة في مجال البناء ستعطى للقطاع الخاص، وغالباً ما ستؤخذ نسبة ال25% الباقية من
حصة القطاع العام، بشكل غير مباشر، عبر جعله يأخذ دور الوسيط، ويعهد الأعمال إلى
مقاولين ثانويين، كما اعتاد فعل ذلك خلال السنوات الماضية، فيما عماله وخبراته،
وآلياته ومواده تعطل عن العمل. ولا تطرح المعارضة المتأهبة لشراكة النظام في
الحكومة الانتقالية غير هذه الحلول.

وللمتأمل تصور نتائج الانفتاح الاقتصادي الكامل، بعد أن أدى الانفتاح الجزئي إلى اندلاع الثورة. وكم ستكون نتائج
النمط الاقتصادي (المنفلش) شديدة الكارثية على الشعب السوري، خاصة مع الاقتراض من
الصناديق والبنوك الدولية، التي ستفرض على الشعب والحكومة إجراءات تقشف لا
تُحتمَل. لا يمكن أن تعرف البلاد الاستقرار بهكذا توجهات غوغائية وذات عواقب وخيمة.

شاهد أيضاً

النظام يعوّض الفلاحين المتضرّرين من السيول بـ “٢ دولار”!

عوّض صندوق الكوارث التابع لوزارة الزراعة في حكومة الأسد، الفلاحين أصحاب المحاصيل الاستراتيجية، المتضرّرين من …

فرنسا تجمد أصول أفراد وشركات لاشتباه ضلوعها “بتطوير أسلحة كيماوية”

أعلنت السلطات الفرنسية اليوم الجمعة، أنها جمدت أصول ثلاثة أفراد وتسع شركات يشتبه بضلوعها في …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

seven − six =