الآن
الرئيسية / منوعات / كارثة وإنسانية أم كارثة وطنية؟

كارثة وإنسانية أم كارثة وطنية؟

صبر درويش

منذ
الأشهر الأولى لاحتدام الصراع على الأرض السورية ولم يكف الناشطون السوريون ومن
خلفهم المنظمات الدولية، عن قرع نواقيس الخطر حيال كارثة إنسانية محدقة بالشعب
السوري، وخصوصاً أولئك القابعين في المدن والبلدات التي ضربت عليها قوات الأسد
حصاراً هو الأشد من نوعه على الإطلاق؛ وهو ما جعل من الارقام الاحصائية حول المأساة
السورية تبث الرعب في القلوب.

حقاً كانت
قد سجلت الأرقام الإحصائية الخاصة بالمأساة السورية أعلى النسب على صعيد التاريخ
الحديث للنزاعات الأهلية: أعلى عدد من النازحين واللاجئين، وأعلى نسبة ضحايا
ومفقودين، وأعلى دمار يصيب المدن قد تقع عليه العين منذ الحرب العالمية الثانية..
إلخ. وهو ما يشير إلى أن الكارثة بالمعنى الإنساني كانت قد حلت على السوريين ولم
تنفع معها كل أجراس الإنذار التي قرعت على مرَ الأشهر.

اليوم علينا
الحديث عن كارثة من نوع آخر، تحدق بالمجتمع السوري، سندعوها هنا بالكارثة الوطنية
المرتقبة، وهي كارثة إذا ما تجذرت فلن تهدد مستقبل المجتمع السوري فقط وإنما أيضاً
المجتمعات المحيطة به.

لقد نجحت
سياسة الأسد في تفجير طاقة العنف المختزنة داخل المجتمع السوري، وأنعشت معها كل
المشاعر والأفكار السلبية في أعماق كل فرد، وهو الشيء الذي بات يهدد بانفراط عقد
المجتمع السوري وتحوله إلى كانتونات مغلقة، لا تنفتح إلا في سياق الحرب مع الآخر،
هذا أن السوري ذاته بات آخراً بالنسبة إلى السوري في ظل هذه المعادلة. وهو مايشكل
القاعدة الصلبة لنشوء الحرب الأهلية السورية، وهي حرب يقول المختصون في العلوم
السياسية بأنها ستمتد لسنوات طويلة إذا ما كتب لها أن تحل على السوريين.

كل شيء
يشير اليوم إلى انتعاش مناخات الحرب الأهلية في سوريا، ويهدد بتمزيق ما تبقى
صامداً من قوى المجتمع حتى اللحظة، ويغلق الأفق بقدوم مستقبل كان يطمح إليه من
أشعل فتيل الثورة السورية منتصف آذار من عام 2011.

إن ما
يجري اليوم يمكن وصفه بالتحول الخطير نحو الأسوء، هذا أن التحول الجاري الحديث عنه
ينال من البنية الداخلية للفرد السوري، وللنسيج الاجتماعي بالمجمل، ويهدد بالترابط
الداخلي للمجتمع السوري.

لا تتوقف
المسألة التي نحاول أن نشير إليها هنا على موضوع الاقتتال والعنف المرافق له بين
سكان البلد الواحد، بل إن المسألة أبعد من ذلك بكثير، المسألة هنا ترتبط بشروط تاريخية
محددة تفعل فعلها في بنية المجتمع وتعيد انتاجه إذا لم نقل تحويره.

منذ عام
من اليوم كان يستطيع المتجول في المدن المحررة من رؤية ممتلكات السكان الذين نزحوا
وخلفوها ورائهم كما تركتها أيديهم، كان كل شيء بمكانه، ولكن وبعد أشهر طويلة على
الحصار والجوع أضطر من بقي من السكان أن يتنازلوا عن جزء من كرامتهم ويتحولوا إلى
لصوص بدفع من ظروف غير محتملة، نهبة البيوت وتحول إنساننا الطيب إلى لص؛ وحين لم
يكفي هذا راحت تنتشر ظواهر غريبة عن مجتمعنا كزواج القصر وحتى انتشار الدعارة،
بينما في مخيمات اللجوء المقيتة فقد أشارت عشرات التقارير إلى انتشار ظواهر تقترب
من الاتجار بالبشر وبالشرف، وهي شروط اجتماعية راحت تفعل فعلها في بنية الفرد
وتعيد صياغة معاييره وثقافته وهو اخطر ما حلّ على السوريين.

بينما في
الجهة الأخرى من الضفة السورية فقد تحول مع الوقت من حمل السلاح مقتنعاً بالدفاع
عن نظام الأسد إلى لص وقاطع طريق. من منا اليوم لم يصبح الحديث امامه عن الخطف
وطلب الفدية أمراً عادياً؟ من من السوريون اليوم لم يقدم على تقديم تنازل بغض
النظر عن حجمه؟

إن
التفكيك الجاري العمل عليه على مرأى وبمساهمة كل القوى المحلية والإقليمية يشير إلى
تفكك مجتمع يحتاج إعادة بنائه إلى عقود طويلة، وتضحية باهظة بأجيال سيكون من الصعب
إن لم نقل من المستحيل إصلاح حالها، وهو اكبر خسارة مني بها السوريين حتى اللحظة،
فإذا كان إعادة إعمار المدن المدمرة يحتاج إلى حوالي العشرين عاماً حسب المختصين،
فإن بناء الإنسان السوري المهدم قد يحتاج ضعف هذا الزمن.

وبقدر ما
تبدو لوحة القوى الاجتماعية في الداخل السوري سيئة، سيكون الوضع بالنسبة إلى الذين
لجأوا إلى دول الجوار أكثر سوءً بما لا يقاس. ففي ظل الشروط الغير إنسانية التي
يخضع لها هؤلاء الضحايا، بات على الفرد مجبراً أن يتنازل عن جزء من كرامته، وهو
تنازل لا شيء سيعوضه في يوم من الأيام.

إن
التقارير التي تشير إلى انتشار تعاطي الممنوعات من حبوب وحشيش وغيرها داخل خلايا
المجتمع السوري وفي أوساط الشبان تحديداً، تصيب الرأس بالدوار، هذا عداك عن انتشار
الدعارة والسرقة وقطع الطرقات، وهي الظواهر التي راحت تقرع نواقيس الخطر حيال تحلل
للمجتمع السوري يكاد يصبح أمراً واقعاً.

ويبقى في
هذا السياق القول أن أخطر ما يمر به السوريون اليوم هو التطرف الناتج عن شروط
اجتماعية فرضتها آلة الحرب ذاتها. والمسألة هنا لم تعد مقتصرة على شكل محدد من
التطرف كالقول بالتطرف الديني او الطائفي مثلاً، بل إن ما نشهده اليوم في سوريا هو
تطرف في كل الاتجاهات وبكل الأشكال. مما يجعل من العلماني متطرفاً ومن الاسلامي
متطرفاً ومن كل فرد على حد سوء، ومما يجعل من الكارثة الوطنية قاب قوسين أو أدنى.

شاهد أيضاً

النظام يقرّر إزالة 90% من حواجز دمشق

يعتزم النظام السوري، إزالة معظم الحواجز العسكرية والأمنية داخل العاصمة السورية دمشق وفي محيطها، وذلك …

النظام يعد بتسريع الأنترنت “أربع أضعاف”

وعد النظام السوري، بزيادة سرعة شبكة الانترنت في سوريا، بمعدّل أربع أضعاف زيادةً عن السرعة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × one =