الآن
الرئيسية / رأي / قبلة اليد ومصائر السوريين

قبلة اليد ومصائر السوريين

ثائر الزعزوع
عام 1994 قتل باسل ابن الطاغية السابق حافظ الأسد في حادث سير على طريق مطار دمشق الدولي، وقد سُمِّي حينها شهيداً، ورآه البوطي في منامه بين الشهداء والأنبياء، مبشّراً أباه الطاغية أن ولدَهُ في الجنة، وقتها سيق العديد من السوريين لتعزية حافظ الأسد في قصره الجمهوري.
 وعلى مدى أيام بثّ التلفزيون السُّوري وقائع التعزية، والسوريون يساقون ليصافحوا يدَ الأسد الذي كان يبتسم مستثمراً ما أمكنه الاستثمار مقتل ولده، وتحوّل المشهد إلى مسلسل تلفزيوني طويل وممل، تتخلله بعض الحوادث التي بقيت عالقة في الذاكرة سنوات، كمثل حادثة الممرضات اللواتي جيء بهن لا ليصافحن الأسد الأب، بل ليقبلن يده في مشهد مهين ابتلعه السوريون على مضض، دون أن يتمكن أحدهم من التعليق حتى.
 لكن حادثة الممرضات وهنّ ينحين للثم اليد، لم تمر كما خطط لها، إذ إن واحدة من الممرضات اللواتي اصطففن بالعشرات في طابور طويل اكتفت بمصافحة الأسد، ولم تنحن للثم اليد مثل الأخريات، وقد لاحظ الجمهور ذلك، وتوقفوا عنده مطولاً، وصيغت حكايات حول الفتاة التي قيل وقتها إنها ممرضة من مدينة سلمية، وقد نقلت من مكان عملها في مشفى “الأسد” الجامعي في دمشق، إلى إحدى المشافي في مدينة الرقة عقاباً لها على جرأتها، وقيل وقتها إن الأمن حقّق معها مطوّلاً، بل وذهب بعضهم ليقول إن الفتاة اعتقلت لعدة أيام قبل نقلها لمعرفة الجهة التي دفعتها كي ترفض تقبيل يد “القائد”.
قد تكون كل تلك الأقاويل صحيحة، لكن المؤكّد أن تلك الفتاة شكلت علامة فارقة في مسيرة لثم اليد الطويلة تلك.
قبل شهر تقريباً تبادل الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يصوّر رئيس طلبة سوريا في روسيا، ويدعى نواف إبراهيم وهو يركع ليلثم يدَ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي كان يقوم بزيارة لجامعة الصداقة بين الشعوب في موسكو.
  الرئيس الروسي استغرب الموقف كثيراً، فسحب يده بسرعة، وبدا على وجهه الذهول. وفي تفاصيل حكاية نواف إبراهيم هذا أنه رئيس اتحاد الطلبة السوريين في روسيا ورابطة الدول المستقلة، وهو يعمل في إذاعة “صوت روسيا” باعتباره خبيراً في العلاقات المصرية الروسية، و أستاذاً للعلاقات الدولية التي تبدأ على ما يبدو من تقبيل يد بوتين وصولاً إلى تقبيل يد خامنئي، وساعتها قد يتحوّل نواف هذا إلى وزير إعلام، وربما أكثر من ذلك، فهو قادر على نقل صورة “حضارية” مشرفة “لسوريا الأسد” التي ثار عليها ملايين السوريين، وقرروا تحطيم هذه اليد التي أمروا أن يقبلوها، وقرروا استعادة كرامتهم التي أساء إليها كثيراً نواف هذا وأمثاله الذين يرون في بشار ومن قبله أبيه، بل وفي عائلة الأسد بأسرها وهناك الكثير من النماذج التي لا تنفك وسائل إعلام النظام عن عرضها باستمرار لأشخاص يتم تقديمهم على أنهم يحملون شهادات الدكتوراه في كذا وكذا من جامعات كذا وكذا، ثم وما إن يبدأ الواحد منهم بالكلام حتى يعرف الواحد منا الطريقة التي حصل بها ذلك “البوق” على شهادته، وكيف تمكن من تبوأ منصبه؟؟ ولنا في نائب عميد كلية الإعلام نهلة عيسى خير مثال على ذلك، والتي تضع على صفحتها على الفيس بوك إحدى صورها وتكتب تحتها التعليق التالي: ” هذه الصورة التقطها لي أحد رجال الأمن في مكتبي أثناء احتفالنا بتسليم سبعة من أخطر العصابات الطلابية الإرهابية ” خمسة شبان وفتاتان”، حيث تم فصلهم جميعاً من الجامعة، سوف تنال رقابهم العدل في مباني عناصر الأمن السوري… هذا جزاء الخائن… إلى الجحيم”.
طبعاً الخيانة التي تتحدث عنها نهلة عيسى هي في أن أولئك الطلاب الذين سلمتهم من “حرم الجامعة” للأمن رفضوا أن تنحني هاماتهم، ويقبلوا يدَ سيّدها، والذي تضع له صورة على صفحتها تتغزّل فيها بوسامته، وحذائه العسكري.
وقائمة أسماء لاثمي الأيادي تطول، وتطول في سوريا، وقد تبوأ كل منهم منصباً، وشوّهوا أجيالاً بأكملها على مدى سنوات طويلة، ولنتذكر وبشيء من السرعة، الدكتور جمال محمود الأستاذ في المعهد العالي للعلوم السياسية، والدكتور محمد مصطفى ميرو رئيس الوزراء الأسبق الحاصل على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية من أرمينيا مثلاً، والذي استغرب السُّوريون وقتها كيف أصبح رئيساً للوزراء، والدكتور عدنان محمود وزير الإعلام السابق والسفير في إيران حالياً، طبعاً دون أن ننسى عمران الزعبي، وبثينة شعبان. وسأترك المجال لوضع الأسماء التي ترونها مناسبة، وكلها وبدون استثناء مرت بمرحلة “نواف إبراهيم”. 
يختصر فيديو “نواف إبراهيم” الكثير من التساؤلات، ويقدّم إجابات شافية وافية، ويشرح بتفصيل مملٍّ معنى مفردة الكرامة التي اندفع السوريون بالملايين لاستعادتها، وأطلقوا تسمية الكرامة على الثورة المباركة.
 الشعب السوري “ما بينذل” هكذا هتفت “الحريقة” يوم أن قام شرطي أحمق بالاعتداء على مواطن سوري، وهكذا هتف أهالي حوران منذ يومهم الأول حين قرروا أن السكوت الطويل لا يعني الاستسلام، وأن عهد الأسد انتهى، ولم تعدْ قبلة يد كفيلة بتحديد مصائرهم. 

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 1 =