الآن
الرئيسية / منوعات / في العنف الثوري وانحرافات الثورة

في العنف الثوري وانحرافات الثورة

*صبر درويش

لا يمكن تفسير الصراع الدائر في سوريا والاتجاهات، الذي
اتخذه هذا الصراع بالاستناد إلى نظريات ثقافوية تسارع إلى إطلاق أحكام قيمة أكثر
مما تسعى إلى تفسير الوقائع وتحليل معطيات الصراع وشروطه التاريخية.

إذ من الابتذال بمكان القول إن أيديولوجيا الإسلام
السياسي كانت حاضرة على طول الخط في “لا شعور” قوى المجتمع السوري
المنتفضة، وأن المسألة كانت تحتاج إلى فرصة تاريخية محددة كي تظهر إلى العلن
وتتبلور تعبيراتها، ولا يقل ابتذالاً عن ذلك الحديث عن الطبيعة المعتدلة للثقافة
السائدة في المجتمع السوري؛ فالتحديد بحدّ ذاته فاسد، إذ هل من الممكن الحديث عن
ثقافة واحدة سائدة في المجتمع السوري؟ والأهم من ذلك، هل نتعامل هنا مع
“الثقافة” باعتبارها جوهراً ثابتاً لا يتغير؟. في الحقيقة على أرض
الصراعات الاجتماعية كل شيء في تغير، بينما الثابت هنا هو أن لا شيء ثابت!.

بدأت ثورة السوريين سلمية كما ينبغي عليها أن تكون،
وصمدت لأشهر رغم كل العنف الذي مارسته السطلة الحاكمة منذ أول لحظة لخروج
المنتفضين إلى الشارع، وتسلل العنف الثوري مع بداية الطور الثاني للثورة إلى صفوف
الثوار، لماذا حدث ذلك وكيف؟ وهل تكمن المشكلة في العنف الثوري ذاته كمقولة أم في
مكان آخر.

هناك حد فاصل علينا أن لا نغيبه على الإطلاق بين العنف
الثوري من جهة، وانحرافات الثورة من جهة أخرى. إذ ليس كل عنف ثوري يقود إلى انحراف
في الثورة بالضرورة، بمعنى أن انحراف الثورة إذا حدث، فهو غير مشروط بالعنف الثوري،
إذ لا ترابط سببي بين الحدين؛ وهي مغالطة وخلط للأوراق غالباً ما يعتمدها أصحاب
مقولة: “ألم نقل لكم؟!”.

أغلب الثورات في العالم تخللها العنف، إذ لم تقم سلطة
عبر التاريخ الحديث بالتنازل عن مواقعها لخصمها الطبقي هكذا وبكل ديموقراطية، على
الرغم من وجود بعض الاستثناءات والتي تؤكد القاعدة لا تنفيها.

وفي الوضع السوري، لا شيء استثنائي، فالانتفاضة الشعبية
كانت قد صمدت لأشهر وهي تدافع عن سلمية خيارها في إسقاط حكم الأسد، ولم تتحول إلى
الكفاح المسلح إلا بعد ارتفاع معدلات القتل وحجم العنف الذي ارتكبته قوات الأسد.
بيد أن ذلك لا يكفي لتفسير الأسباب التي وقفت خلف خيار الكفاح المسلح.

لا خلاف أن سنوات حكم الأسد كان قد تمخض عنها تدني كبير في
مستوى الوعي السياسي لدى قطاعات واسعة من المجتمع السوري، ولم تكن الثورة فعلاً
سحرياً ينتج عنه بشكل أتوماتيكي تغييراً لهذه المعادلة، ما جرى أنه تم استغلال هذه
الظاهرة من قبل أطراف كثيرة، وطبعاً في مقدمتها نظام الأسد ذاته؛ ورغم كل الجهد
الذي بذل، إلا أن قوى الثورة لم تتمكن من تحصين نفسها وبلورة قواها بدرجة كافية،
مما جعلها عرضة للتلاعب من أطراف عدة، وفي مقدمتها المعارضة السورية ذاتها.

إذ ألا تتحمل المعارضة جزءاً كبيراً من مسؤولية حمل
السلاح في الثورة السورية؟ ألم يشجع المجلس الوطني على حمل السلاح في مناسبات عدة؟
وألم يدعم تشجيعه هذا، بوعود راح يقطعها للثائرين حول التدخل العسكري الخارجي
والدعم المرافق له؟.

لقد ساهمت بعض قوى المعارضة وعلى رأسها المجلس الوطني
بقيادة الإخوان المسلمين، بالتشجيع بشكل أو بأخر على تسليح ثورة السوريين، وفي
الوقت نفسه فشلت هذه المعارضة في بلورة قطب سياسي قادر على أن يتمفصل مع هذا
الجناح المسلح للثورة، كي يكون ذراعاً له على صعيد الصراع. ما حدث فيما بعد، أن المعارضة
السياسية كانت بمكان والتشكيلات العسكرية للثوار بمكان آخر. وهو واحد من أهم
العوامل التي ستفضي فيما بعد إلى انحراف الثورة عن شعاراتها الأولى.

من جهة أخرى، لعب المال السياسي دوراً لا يقل أهمية عن
سابقه، فغذى تلك الميول نحو التسليح، وعمد إلى تبني تشكيلات كانت منذ البدء تابعة
له أكثر مما هي تابعة لثورة السوريين، ولنا في لواء الإسلام الممول سعودياً خير
مثال على ذلك.

وتكفي اليوم نظرة متفحصة لطبيعة الصراع العسكري الدائر
على الأرض السورية، كي ندرك أنه صراع بين دول تصفي حساباته هنا، إذ أغلب الأطراف
الكبرى المتقاتلة اليوم لا يمت إلى ثورة السوريين وشعاراتها بصلة، لا داعش ولا
النصرة ولا حتى الجبهة، وهؤلاء جميعهم ليسوا الثورة السورية، كما أنهم ليسوا
الممثل عن السوريين.

لم تحتج قوى المعارضة المشجعة لخيار التسليح، والمال
السياسي المترقب لأي فرصة مناسبة، سوى توفر المناخ المناسب للانطلاق، وهو فعلاً ما
حققه نظام الأسد عبر كل ممارسته التي انتهجها منذ الأشهر الأولى للثورة.

من الصحيح القول إن السوريين أجبروا على حمل السلاح،
وخصوصاً مع تزايد عدد وحجم المجازر المرتكبة، بيد أن العوامل الأخرى التي حاولنا
مقاربتها، كانت أساسية في تكريس هذا الخيار وتعميمه؛ بينما انحراف الثورة عن
منطلقاتها الأولى فيأتي كنتيجة لغياب تبلور قطب معارض يرتقي إلى مستوى الحراك
الثوري، ويتمكن من تمثيله تمثيلاً حقيقياً لا وهمياً كما هو الحال اليوم، من جهة،
ومن جهة أخرى، تبقى قوى الثورة المدنية حتى اللحظة من دون أي تمثيل سياسي أو حتى
عسكري يتيح لنا معرفة إن كانت هذه القوى قد انحرفت عن شعاراتها الأولى أم لا.
فالمتقاتلون على الأرض وخصوصاً أولئك المتطرفين من كل الأشكال، يمثلون
“الداعمين والممولين لهم”، ولا يمثلون قوى الثورة السورية التي انطلقت
في شهر آذار من عام 2011.

شاهد أيضاً

النظام يقرّر إزالة 90% من حواجز دمشق

يعتزم النظام السوري، إزالة معظم الحواجز العسكرية والأمنية داخل العاصمة السورية دمشق وفي محيطها، وذلك …

النظام يعد بتسريع الأنترنت “أربع أضعاف”

وعد النظام السوري، بزيادة سرعة شبكة الانترنت في سوريا، بمعدّل أربع أضعاف زيادةً عن السرعة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

two + eight =