الآن
الرئيسية / منوعات / عودة الشعب.. الحكومة الثورية ضرورة!

عودة الشعب.. الحكومة الثورية ضرورة!

عمّار الأحمد
الاتفاق الدولي حول سوريا مرشح دائماً للانتكاس، والاتفاق الإقليمي لا تزال أمامه عقبات، والوضع الداخلي يتميز بمعارك الكر والفر، أما المعارضة فلا تزال غارقة في قضية التمثيل في جنيف، ويبدو ستبقى كذلك، لأنّها معارضة مرتهنة بالكامل للإمبرياليات، سواء أكانت هيئة التنسيق أم الائتلاف الوطني.
هذا المشهد المتشظّي يبعث على التفكير بكيفية تدبر الناس حياتهم اليومية، وبصيرورة الثورة التي تراجع جانبها المدني والتظاهري حتى يكاد يختفي كلية، ليهيمن جانبها العسكري، وتشكيلات الثورة المضادة فيها، وهو ما يشير لتعقد شروط الثورة وحياة الناس والأفق السوري وليس الثورة فقط. إذاً ما العمل في أرض الثورة الآن، ولاسيما أن أمل جنيف يكاد يتلاشى، بل وحتى ولو عقد جنيف نفسه؟ 
بداية، هناك أرض واسعة خارجة عن النظام، وهناك تشكيلات عسكرية لا متناهية، ولكن أسوأ من تشكل في تلك الأرض التشكيلات التكفيرية، التي ترفض الثورة، وتعاديها جهاراً نهاراً وتعادي الناس، وتقيم عليهم سلطات شرعية ظلامية، تقتص منهم باسم شرع ديني ما، ولا تتوانى عن القتل والجلد وممارسة مختلف صنوف التعذيب، عدا الاعتقال المستمر، وهذه أخطر ظاهرة تكاد تفتك بتلك المناطق، وتدمر الثورة ذاتها، وتلك المجموعات في الوقت الذي تتوسع فيه، فهي مرفوضة مجتمعياً، وفي بعض المناطق رفض وجودها بالكامل، ولكن طول أمد الثورة وقلة موارد الناس، وهمجية النظام المطلقة عبر سنوات الثورة، والدعم اللامحدود لها، لهذه التشكيلات وبالتحديد داعش، يجعلها مقبولة مؤقتاً، ولو شتمتها الناس في السر! 
أرض الثورة تتطلب حكومة حقيقية؛ وهذا الأمر تأخر كثيراً، ولكن  لا حكومة هيتو ولا طعمة قادرتان على العمل في الداخل، فهي حكومات خارجية، ودورهما يكمن في التوظيف السياسي أكثر مما هو في الواقع العملي، وبالتالي يقع على الشعب تشكيل مجالسه المتعددة والديمقراطية وصولاً إلى حكومة ثورية.
ثلاث سنوات، تجبرنا على تأكيد ضرورة المجالس المحلية الديمقراطية، والمنتخبة من الشعب؛ مع شرط ضروري، يَمنع أن تصبح الديمقراطية عوراء ومشوّهة، وهو أنّ يكون للشعب الحق بتغيير أي مُنتخَب في أي وقت، وليس بعد عامين أو أربعة أعوام، وأن يتقاضى المنتخب أجراً لا يزيد عن أجر أي عامل آخر يوازيه في الشهادة الجامعية أو سواها في أي مؤسسة. 
إضافة للتركيز على أن تكون القيادة جماعية، وممثَلة بالكفاءات والخبرات لا بالوجاهات والعائلات، وما في حكمها. يكون لتلك المجالس سلطة الإشراف والمتابعة لشؤون أوضاع الفلاحين والعاطلين عن العمل، والبنى التحتية، والعائلات اللاجئة ومختلف شرائح الشعب، بل وتتابع حتى مسائل الأسعار في الأسواق، وترفض أية تبعيّة لأية كتيبة مسلحة إسلامية كانت أم لا. بل أن تخضع الأخيرة لقوانين المجالس المحلية في كل ما يخص شؤون الناس، فمن يدير المناطق المحررة هي تلك المجالس بالضبط، ويساعد تلك المجالس محاكم مدنية، ويتم رفض المحاكم الشرعية المشكلة حديثاً، وتتبع لها جهاز شرطة لفرض القانون على المخالفين، وبالتالي يتحدد دور الكتائب بالحرب مع النظام، والانصياع لقرارات المجالس المحلية. وهنا لا بد من الاتفاق على قانون ينظم المجالس المحلية على مستوى سوريا، أي يكون قانوناً وطنياً.
الأمر ذاته يفترض أن يكون على مستوى المدن وفي سوريا بأكملها، وبالتالي إنهاء سبب وجود كتائب لا تقاتل، بل وتمتهن السرقة والابتزاز، أو تسليم أسلحتها والقيام بأعمال تتناسب معها؛ هذه المجالس هي من يحق له تشكيل حكومة، تمثل الشعب ولا تمثل الائتلاف الوطني أو سواه، كما حاول عبر مجالس محلية صورية أو عبر الحكومات المتتالية والتي لا عمل لها فعلياً، ويمكن للشعب أن ينتخب فيها من يشاء، ولهذه الحكومة الداخلية وحدها الحق في تلقي المساعدات من المنظمات الدولية أو الدول الإقليمية، وفق لوائح تنظيمية محددة لكل شؤونها تسمح بإشهارها يوماً ما، عدا عن تنظيم شؤون المجتمع وتأمين حاجاته بشكل رئيسي.
إذا تتشكل الحكومة الثورية من المجالس المحلية ومجالس المدن، ولا تُفرض على الشعب كما يفعل النظام تماماً. أما لماذا نؤكد على ضرورتها الآن وغداً، بل ومن قبل، وبصيغتها الموضحة أعلاه، هو ليس من أجل التوظيف السياسي والدعم المالي والفساد، بل ضرورتها تكمن في تحديد احتياجات الناس بدقة، وخساراتهم كذلك، وعدد المهجرين واللاجئين، وشهدائهم، وعدد منازلهم المدمرة وسواها، وبالتالي ضبط كل هذه المسائل، ووضع البدائل المحلية لها، من خبرات محلية، وبكلف محددة بدقة، بحيث يساهم أبناء الثورة وأبناء سوريا هم بالتحديد في صنع مستقبلهم، بدءاً بالعمل في الزراعة والصناعات البسيطة والإعمار. وهنا يصبح من الضرورة بمكان العمل على تشكيل الروابط الفلاحية والطلابية والنقابات المستقلة، وتنظيمها عبر المجالس المحلية، بحيث تهتم بما ذكرناه أعلاه، أي بتحديد الخسائر والاحتياجات لسوريا، وكيفية الإقلاع ببناء ما تهدم وما دمره النظام، ورفض كل مشاريع قادمة من خلف الحدود، من أجل مشاريع الإعمار، والتي ستكون بداية نهب بعد كل الدمار الحاصل لسوريا، وسيدفع ثمنها بالتحديد الناس الفقراء، حيث ستكون العقود لمصلحة شركات خارجية، وبتمويل خارجي من الدولة القادمة أو الحالية، أو المعدلة، وسيتحوّل السوريون إلى عبيد جدد، يعملون بلا أي حقوق لمصلحة إيفاء تلك الديون المستحقة.
النظام يعمل الآن من أجل مشاريع الإعمار تلك والمعارضة تعمل بنفس الطريقة، وبالتالي ما يمنع مرور تلك المشاريع الكارثية، هو عودة الشعب إلى الثورة، ولكن بشكل منظم وببرامج واضحة المعالم، وتنطلق من الخسائر والاحتياجات والأهداف المجتمعية، أي تنطلق من حياة الناس اليومية. هذا غير ممكن التحقق دون المجالس المحلية، والمدينية، وأن تتشكل الروابط والنقابات والأحزاب الثورية؛ ما نشير إليه أعلاه، يبقى صحيحاً أعُقد جنيف أم لم يعقد؟؟ فسوريا الآن محط أنظار الشركات الخارجية، والنظام والمعارضة بمثابة تجار يتلقون العروض للاختيار بينها، وطبعاً ستكون تلك العقود لمصلحة روسيا وشركات أخرى غير روسية، وفقاً لما سيفضي إليه جنيف، أو حتى لو تطور الوضع باتجاه آخر.
لا أحد غير الطبقات الشعبية الفقيرة سيهتم باستراتيجية وطنية تخص الشعب، وتحسن أحواله وتنهض بالبلد، وتؤسس عملية ديمقراطية، ويكون للناس دور سياسي في صناعة البلد؛ ومن هذه الزاوية، ومهما تعقدت وتتعقد الآن، وفي المستقبل، حياة الشعب، فإنه معني بحل مشكلاته بنفسه.
تجارب كل من مصر وتونس وليبيا وسواها، تشير إلى أن امتناع الشعب عن طرح مطالبه وعدم تبنيه برامج تخص حياته اليومية لتحسين شروطها، التي تنطلق من أعماله الزراعية والصناعية والصحية والتعليمية والسكينة والخدمية، ومن دوره في إقرارها ووضع آلية لتحقيقها، امتناع الشعب هذا سمح للقوى السياسية التي وصلت للسلطة أو التي كانت جزءاً من السلطة القديمة، أن تعمل من أجل مصلحتها هي، أي من أجل مصالح القوى الرأسمالية الجديدة، وعلى حساب الطبقات الشعبية من فلاحين وعاطلين عن العمل ومهمشين وفقراء وعمال وسواهم.
وبالتالي على السوريين، وقد طالت ثورتهم، أن يقوموا بثورة متعددة الأهداف، وأن يستخلصوا العبر، لا أن يكرّروا المأساة نفسها، في أن يسلموا رقابهم للطبقة الرأسمالية المتوحشة، التي تفتك بهم كما تشاء. انظروا إلى مصر وتونس وليبيا، كي تكون الصورة واضحة المعالم!.

شاهد أيضاً

فيلا في طرطوس للبيع بمبلغ خرافي

تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، خبراً عن عرض فيلا في مدينة طرطوس الساحلية غرب …

نواعير حماة تعود للدوران

أعلنت وسائل إعلامي محلية سورية، أن فريق الهندسة التابع لمجلس محافظة حماة، سيعمل على إعادة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

four + 9 =