الآن
الرئيسية / رأي / عندما يلد الشارع فناناً

عندما يلد الشارع فناناً

نبيل محمد

لم يمر عبد الوهاب
الملا بمؤسسة تعملق من شخصيته، وتنحت في مكونه الفني أو الشعبي أو المدني، ولم يكن
مجبراً على تمثيل دور ما “افتراضي أو واقعي” وإنما وببساطة مطلقة، قام
ورفاقه بتأسيس استديو بسيط مما تيسر، وتقديم حلقات برنامج “ثورة 3 نجوم”
الأقرب إلى واقع الحياة وحيثياتها في حلب، وربما لم يطلب تمويلاً هائلاً من منظمة
عالمية أو وزارة خارجية، لإنشاء مؤسسة إعلامية لغاية الربح الشخصي والتحكم
بالأقلام المهاجرة، أو الكاميرات التي تدفن واحدة تلو الأخرى على جبهات القتال.

بلهجته الحلبية
الصرفة، وثيابه التي لم يجهزها له مهندس مناظر أو مزين قبل دخوله إلى قاعة
التصوير، جلس ليتحدث عن التشويل “الاعتقال بأسلوب داعش”، ورصد أزمة
الخبز، وناقش جدلية معبر بستان القصر، وممارسات كل المسؤولين عن الحياة العامة في
حلب، وعرف أن ما ينتظره لا يختلف كثيراً عما ينتظر من ينتقد نظام الأسد، وبالفعل
تم “تشويله” قبل أن يفكر بمفر ما من ملثمين يدخلون منازل الناشطين
ويعتقلونهم.

ربما لم تتح الظروف
للملا “الشاب العشريني” أن يعمل في سياق مؤسسة تتطلب منه أكثر من كونه
فنان شعبي خفيف الظل وناشط إعلامي معارض لنظام الأسد وللكتائب المتشددة فيما بعد،
فاتحاد إعلاميي حلب الذي أسسه ورفاقه قبل أيام من اعتقاله ربما كان مؤسسة جديدة
على الفنان الشاب أن يخوض فيها بكل ما امتلك من إيمان وموهبة، وربما كان عليه أن
يرى ويتعامل بأساليب مغايرة لما قدمه وما مر فيه خلال حوالي عامين من النشاط الفني
والإعلامي، إلا أن الاعتقال “التشويل” منعه من المتابعة في المؤسسة التي
سعى خلال أشهر لتأسيسها.

لا يمكن الآن أن نضع
الملا لنقارنه بفنان سوري مثلاً، أو أن نقارن برنامجه بتجربة سورية كوميدية نقدية
قديمة، كما أننا لا يمكن أن نبني خاصية الفنان على صفات تمتع بها كالبساطة
والانتماء والشارع فقط، إلا أننا ما يمكن أن نوصف فيه الملا هو أنه شاب نشيط موهوب
خفيف الظل وصادق، ولا تتطلب المهنة التي عمل بها الشاب خاصة في الظرف الحالية أكثر
مما لديه، وهو بالفعل ما ميزه كفنان سوري لم يولد فنياً في دمشق تحت إشراف حواضن النظام،
وهو أيضاً ما يجعل تجربة الملا مختلفة عن فنان سوري قرر الوقوف ضد النظام فتجاوز
مسألة الموقف السياسي ليدخل في خضم العمل القيادي أو التنسيقي، فيدمج ما بين
جماهيريته الزائفة والعروض الماثلة أمامه كونه شخصية مشهورة ويمكنه التجوال بين
العواصم بهوية فنان سوري معارض، لا يختلف أسلوبه في نقاش الراهن السياسي عن أسلوب
الفنان الموالي لنظام الأسد “كون الاثنين ولدا في مؤسسة واحدة وعندما اختلفا
سياسياً بقيا متشابهين إلى حد ما التشابه الذي لا ذنب للفنان المعارض فيه.. إنما
البيئة طبعت جبينه به”.

هو بالفعل ما ينقص
المجتمع السوري اليوم، ليس شخصيات كعبد الوهاب الملا فحسب، وإنما فنانون وصحفيون
وكتاب ومخرجون وما إلى ذلك ولدوا مهنياً في خضم الثورة ولم يرثوا من مؤسسات النظام
أكسير عدم القدرة على الصدق وختم اللامهنية وكلمة سر ثقل الظل، وما ينتَظَر الآن
هو من يلده هذا الشارع ولادة طبيعية، بل ويلده في أحلك ظروفه وأصدقها وأكثرها
مقدرة على الولادة في ظل الموت.

شاهد أيضاً

اعترافا بالهزيمة في سوريا .. وانكسار النظام

هذه المرة، لا أكتب مقال رأي سياسي، بل أبوح بحجم الهزيمة المرّة التي تعتصر صدورنا، …

جلال بكور

حل أمريكي إسرائيلي وتنفيذ روسي

لم يأت تقدم قوات نظام الأسد بدعم روسي باتجاه درعا إلا بإيعاز أمريكي إسرائيلي يهدف …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

eight − seven =