الآن
الرئيسية / رأي / “داوود أوغلو” و”ظريفي” الاتفاق على الاختلاف

“داوود أوغلو” و”ظريفي” الاتفاق على الاختلاف

عبد
القادر عبد اللي

لعل
العلاقة التركية الإيرانية من أعقد علاقات المنطقة، بل أعقدها. ولا مجال لفتح الملف
منذ عهد السلطان سليم الأول والشاه إسماعيل والحرب الطاحنة التي قضى فيها “سليم
الجبار” على “الشاه إسماعيل”، الذي أعيد طرحه خلال هذا العام مع إعلان
الحكومة التركية إطلاق اسم “سليم الجبار” على جسر البوسفور الثالث.

تقف
الدولتان اليوم على طرفي نقيض في القضية السورية، ولم يعد بالإمكان إنكار دخول إيران
في الحرب السورية، ويعتبر حلفاء إيران دعم تركيا للثورة السورية حرباً ضد الشعب السوري،
تخوضه تركيا. لذلك فإن أي لقاء بين مسؤولين أتراك وإيرانيين لابدّ وأن يشدّ الأنظار
إليه، ويسيل لعاب الأقلام للكتابة فيه. وهكذا كانت زيارة داوود أوغلو لطهران التي التُقط
منها تصريحٌ ظريف لداوود أوغلو بحضور نظيره “ظريفي”، جاء فيه: “نحن
متفقان بأن هناك ضرورة لوقف إطلاق نار نسبي من أجل نجاح جنيف 2” أو بترجمته الإيرانية:
“دعا الطرفان إلى وقف إطلاق النار” والترجمة الإيرانية إبداعية تصل إلى حدود
التأليف، كما شهدنا يوم ترجموا كلمة مرسي في طهران.

لعل
هذا التصريح هو الأقل معنى من زيارة الوزير التركي إلى إيران، ولكن عندما نبحث عن المصدر،
نجد أن وكالة مهر لم تنشر سواه تقريباً، والجميع لجأ إلى مهر.. لماذا؟ العلم عند الجيوب!

بناء
على هذا الجيب –عفواً، التصريح- رصد المحللون والمحرمون تغييراً في الموقف الإيراني
المعاد للمرة السابعة أو الثامنة منذ اندلاع الأحداث، واعتبار صرخات حناجر المتظاهرين
ناراً تعادل نار الرشاشات التي تطلق عليهم، ويجب أن توقف من كلا الجانبين. أي يوقف
المتظاهرون نار صرخاتهم ويذهبون إلى فروع الأمن يكتبون تعهداتهم بأنهم كانوا مأجورين،
واكتشفوا المؤامرة الكونية، وعادوا إلى صوابهم، ويوقف النظام إطلاق النار.

أثناء
الزيارة، قدم داوود أوغلو محاضرة في معهد “الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية”
في إيران (الذي تموله المخابرات الإيرانية، مثله مثل أغلب مراكز الدراسات في العالم
تمولها أجهزة المخابرات)، وكان قسم الأسئلة هو المثير في الموضوع، وهو الذي يمكن أن
يبنى عليه.. فعلى صعيد العلاقات مع إيران، قال بوضوح: “تركيا وإيران تعرف إحداهما
الأخرى جيداً بسبب الروابط التاريخية، كل منهما تفهم الأخرى على الرغم من اختلافهما
بالتفكير.”

شغل
الموضوع السوري غالبية الحوار معه، نتيجة أسئلة المشاركين. على صعيد العلاقات قال:
“حاولنا إقناع الأسد بإجراء إصلاحات في بداية المشكلة، وتركيا ليست مسؤولية عما
وصلت إليه هذه العلاقات… لم تخرب العلاقات بين تركيا وسوريا إلا بعد أن بدأ النظام
بقتل شعبه بلا رحمة… اسألوا ضمائركم، لو كانت نية تركيا سيئة، وأرادت التدخل في سوريا
لماذا لم تفعل هذا في أعوام 2004، 2005، 2006 عندما كان نظام دمشق معزولاً عالمياً؟
لماذا لم نتعاون مع الولايات المتحدة أو مع الغرب ضد الأسد حينئذ؟ مازالت في تركيا
الحكومة نفسها. لسنا من تَغيَّر، بل ذلك النظام… إذا أردنا الوقوف ضد وجود مقاتلين
أجانب في سوريا، علينا الوقوف ضد جميع الأجانب، حينئذ نكون جادين بطرح الحل… لا يمكن
قبول تدمير المدن تحت غطاء مكافحة الإرهاب… نحن نرى القاعدة والأسد على درجة واحدة
من الخطورة..”

تركيا
وإيران مختلفتان بالتفكير، وكل منهما تعرف الأخرى. أعتقد أن هذه أهم جملة قالها داوود
أوغلو في طهران. منذ حزيران 2011 حتى الآن، وإيران لا تألو جهداً من أجل التحرش بتركيا
بواسطة وكلاء على عادتها. صورة علي بن أبي طالب الضخمة التي عُلّقت على مركز أتاتورك
الثقافي في احتجاجات تقسيم، لم يأتِ على ذكرها أي مسؤول تركي حتى ولو من الدرجة مائة..
حركة التشييع، التي طالما اشتكى الأكراد منها أيضاً، (لأنها تستهدف شريحة منهم) لم
يقترب منها أحد رسمي تركي… هل تُنشر المقالات التي تمتدح ديمقراطية الأسد التي تفوق
ديمقراطية الدول الإسكندنافية، وحربه ضد الجيش الإسرائيلي على الأرض السورية مجاناً؟
ألا تعرف الحكومة التركية المحرض والممول؟ لماذا لا تأتي على ذكره؟ ألم تجر على أراضيها
المباحثات السرية بين المعارضة وإيران كلها، وتعرف بأن إيران هي الطرف الذي يعوق الحل؟
يمكن طرح مئات الأمثلة على التدخل الإيراني غير المباشر (عبر وكلاء) في تركيا، وتجاهل
تركيا هذا التدخل… لماذا لا تتدخل إيران مباشرة، ولا تتهمها تركيا مباشرة أيضاً؟

أجاب
“داوود أوغلو” عن هذا السؤال المحوري: “تركيا وإيران تعرف إحداهما الأخرى
جيداً بسبب الروابط التاريخية، كل منهما تفهم الأخرى على الرغم من اختلافهما بالتفكير.”

ما يستنتج
من هذه الزيارة أن العلاقات ستبقى جيدة، والخلاف سيبقى قائماً، والبلدان أحدهما بحاجة
الآخر. فتركيا تريد أن تكون ممراً للطاقة الإيرانية (بترول وغاز)، وإيران تريد أن تستخدم
هذا الممر لأنها بحاجة إليه؛ هذا الجانب بالذات لم يخفه داوود أوغلو في حديثه، في حال
عادت إيران إلى المجتمع الدولي، فهو يريد أن يحقق أكبر مكسب من هذا الانفتاح…

ماذا
عن الموضوع السوري! أعاد
داوود
أوغلو
كل التصريحات التي أطلقتها الحكومة التركية عبر سنتين ونصف وما يزيد، ولخّصه
الوزيران بعبارة “داوود أوغلو”: “نحن متفقان بأن هناك ضرورة لوقف إطلاق
نار نسبي من أجل نجاح جنيف 2” هذا يعني أن وقف إطلاق النار، ولو نسبياً شرط لازم
لنجاح جنيف 2؟ هذا يعني: “إذا وقف إطلاق النار ولو نسبياً، ينجح جنيف 2”
وليس دعوة لوقف إطلاق النار.. أليس كذلك؟ طبعاً ستكون مجرد دعوة لوقف إطلاق النار،
لأن إيران توقف إطلاق النار عندما تريد، ولا تدعو إليه.

هل هناك
أمل بوقف إطلاق النار؟ سحب المقاتلين الأجانب؟ هل هذا ممكن؟

نعم،
لقد اتفق الجانبان، ولكن على ماذا؟ لقد اتفقا على الاختلاف… وسيراعيان مصالح أحدهما
الآخر مع وجود هذا الاختلاف…

شاهد أيضاً

جلال بكور

من أسقط الطائرة الروسية؟

من المؤكد أن العلاقة بين روسيا وإسرائيل لن تتعثر بعد حادثة إسقاط الطائرة من قبل …

المعارض ميشيل كيلو - انترنت

سورية.. بداية جديدة

مع تجدد المظاهرات في المنطقة الشمالية من سوريا، تدخل الثورة إلى مرحلة تضمر مقوماتٍ متنوعةً، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 − ten =