الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / جنيف لروسيا والجبهة الإسلامية للسعودية

جنيف لروسيا والجبهة الإسلامية للسعودية

عمّار الأحمد

يزداد المشهد السياسي حول اتفاق جنيف وضوحاً؛
فروسيا هي المشرفة على جنيف وما بعده، وأمريكا وأوربا وبقية الدول الأوربية لا دور
مستقل لها فعلياً. أي لا تحلموا بتحقيق أهداف ثورتكم أيها السوريون، فالممكن بجعبة
الدول الإمبريالية تقاسم السلطة، والبدء بمرحلة تطبيع العلاقات بين السلطة
والمعارضة، والخطوة التالية: البدء بالحرب ضد تفريخات القاعدة في سورية، ولتصبح
سورية، بلداً هامشياً في المنطقة. وستستمر ذيول الحرب اقتتالاً أهلياً وقومياً
وطائفياً. وبالتالي ليس في أفق السوريين الكثير من الأحلام المتعلقة بأهداف
الثورة.

تخلي أمريكا عن السعودية كلاعب إقليمي،
ومحاولة إشراك إيران كلاعب إقليمي، سيما أن الأخيرة نجحت في أفغانستان والعراق
ولبنان، وربما في سورية كذلك، مقابل الإشراف على النووي الإيراني فقط، واجهته
السعودية بدعم مباشر عبر تشكيل الجبهة الإسلامية، والتي جاءت كرفض للائتلاف الوطني
بشكل رئيسي، وبتعارض مع جنيف كذلك، وضد الجيش الحر نسبياً وضد القاعدة بشكل كبير.
ولكن هذا التشكيل يطرح نفسه ليس كجبهة عسكرية بل وكرؤية لسورية المستقبلية، وهنا
يتعقد الأفق أمام الثورة والسوريين، فهو يطرح رؤية إسلامية لسورية، بينما لا
السوريون ولا الثورة يريدون ذلك؛ السعودية ودول الخليج المتضررة من جنيف، والاتفاق
النووي مع إيران يريدون عرقلة ما يجري، ولتحصيل حصة أكبر لهم في سورية، وتحجيم
الدور الإيراني وحزب الله فيها، وذلك مقابل دخولهم هم على سورية. الجبهة هذه
محسوبة على السعودية وعلى الخليج، ولن تكون أفضل من القاعدة( داعش والنصرة) في
سورية، وهي تأتي بسياق تدمير ما تبقى من الجانب الوطني في الثورة، لا أكثر ولا
أقل.

من يعتقد أن النظام قوي فهو كاذب، فلولا حزب
الله وإيران لسقط، أي قوته الصلبة (الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري) قد تم
تهشيمها، وإن ظهور الجبهة هذه سرعان ما صد هجومه على الغوطة، ووصول قليل من
المساعدة أوقف النظام وبدأت مناطق أخرى تستعيد المبادرة على مستوى سورية، وبالتالي
لا يراد للثورة الانتصار ولا للنظام الإخفاق، أي لا حل دون جنيف.

المشكلة أن إيران وروسيا لا مشكلة لديهما باستمرار
التدمير من جهة، ويريدون الحل من جهة أخرى؛ وبالتالي لن تذهبا لجنيف ما لم تنالا
حصة كبيرة من عقد جنيف، وفي هذا تدعم القوى الإمبريالية روسيا، أما موضوع إيران، ففيه
جدل مختلف، ولكن لا فيتو على حضورها جنيف.

الجبهة الإسلامية، لا تعمل لمصلحة الثورة،
وليست معنية بها بالأصل، هي معنية فقط برؤيتها، وسياساتها، وخدمة مصالح دول
إقليمية. أما موضوع البكاء على الإسلام فهو محض هراء، حيث كان الإسلام قبلها
وسيستمر بعدها، وهي فقط تعمل على تشويه الناس لأنها لا تملك أية حلول لأية مشكلات،
فتوهم الناس بما هي موهومة به، بدفع سعودي وتمويل من مجموعات سياسية خارج سورية،
ليحققوا من ورائها مصالح إقليمية ومتعددة الأنواع داخل سورية فيما بعد المرحلة
الانتقالية. الجبهة هذه، لو أرادت فعلاً العمل من أجل انتصار الثورة، لقامت
بانتقاد الائتلاف الوطني، ولخاضت معارك حقيقية ولما طرحت نفسها سياسياً. ولكن
الانتصارات لا تعنيها، ولتدمر المدن وليقتل السوريون، ما لم تتحقق مصالح الدول
الداعمة لها؛ ومن هنا النقد الكبير لها، بسبب اهتمامها بالدفاع لا بالهجوم وبتكديس
السلاح لديها وتشكيل نفسها وضم كتائب وألوية لها، أكثر من الانشغال بالهجوم على
النظام.

جنيف القادم، سيضمن مصالح روسيا أولاً،
والدول الإقليمية ثانياً. مصلحة الشعب وأهداف الثورة خارج الحساب، وإذ نرى أن
الشعب سيستفيد من جنيف، لأنه سيتوقف الدمار والقتل، وسينتهي الحصار ويفرج عن المعتقلين،
وهذا هام للغاية، وهو يتحقق فقط لأن الشعب قدم تضحيات هائلة.

إلا أن مصالح الشعب لا يحققها سوى الشعب، أي
لا يطالب بتحقيقها سواه؛ أشرت من قبل وفي هذا المكان، أن جملة التطورات السياسية،
ومنها احتمال عقد جنيف، وخطر الجبهة الإسلامية كتنظيم مسلح ويحوز رؤية طائفية
وسلفية للمجتمع، عدا عن هدف داعش والنصرة بما يخص الخلافة، يستدعي من القوى
الثورية للشعب، ومن الشعب، الإسراع بوضع كل الخطط من أجل تشكيل مجالسه المحلية
ومجالس المدن، ورفض كل ميل جهادي، لأنه سيكون الفزاعة التي ستجدد للنظام سلطته.

ما بعد جنيف، لا يجوز أن يحكم سورية النظام
والمعارضة فقط، وحروب ضد الجهاديين وصراع بين السلطة الجديدة والجبهة الإسلامية،
فهذا الصراع سيشوه الصراع الحقيقي، والمتمثل في تحقيق أهداف الثورة التي غيبت
لصالح الحرب والأسلمة. قوى الثورة مجبرة على تجديد نفسها، وإلا فإنها ستتهشم أكثر
فأكثر، وسيعاني الشعب مجدداً إلى أن يجدد هو ثورته بنفسه كما فعل.

جنيف قادم، والتأزم سيتصاعد أكثر فأكثر،
وربما ستكون فترة قبل جنيف أصعب فأصعب، وجنيف نفسه، سيعقّد المشهد كثيراً، وربما
يدخلنا بإشكالية جديدة في السياسة، اسمها المحاصصة الطائفية؛ أقول ربما، وهذه
ستكون بداية مأسسة الطائفية في سورية، على مستوى مؤسسات الدولة؛ سورية لم تكن
كذلك، باستثناء الإخوان المسلمين، وكذلك استخدام النظام للطائفية بأساليب سرية
ومخفية وغير معلنة، من أجل إدامة سلطته الهشة.

خطر جنيف وخطر الجهادية المتعددة الأوجه، والتدخل
الامبريالي بصناعة جنيف، والتجديد للنظام، كلها عناصر تقدم مؤشرات في غاية السلبية
لمرحلة ما بعد جنيف، بل وللفترة التي ستسبقه؛ خسارات السوريبن أكثر من أن تحصى،
أرواحاً وأملاكاً، وما ينتظرهم. وفي كافة المجالات من خطط للسياسة وللاقتصاد في
غاية السوء؛ السوريون يستحقون الأفضل، ولكن ذلك لن يعطيهم إياه أحد في العالم، هم
فقط من يستطيع نيله، قبلَ جنيف وأُثناءَه وبعده. فهل نباشر التأسيس لكل ما هو
تنموي في سورية المستقبلية؟ هذا الموضوع هو ما علينا التفكير فيه، ما دام جنيف
يطلّ علينا من سويرا وقد حُدد موعده أخيراً.

شاهد أيضاً

باحث إسرائيلي: إسرائيل لن تسمح بإسقاط نظام الأسد

كشف باحث إسرائيلي، أن بلاده لن تسمح بإسقاط نظام الأسد كونه يحمي حدودها منذ عام …

تعرّف على مكان وموعد جولة “استانا” القادمة

أعلنت الخارجية الروسية اليوم الجمعة، عن مكان وموعد جولة جديدة من المباحثات، التي تم البدء …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

twenty − 10 =