الآن
الرئيسية / رأي / انقسامٌ أم غربلةٌ في العدالة والتنمية؟

انقسامٌ أم غربلةٌ في العدالة والتنمية؟

عبد القادر عبد
اللي

يقلق السّوريون
في تركيا – وهو قلق مشروع – من الأزمة السياسية التي تعيشها سوريا، واحتمالات
إبعاد رجب طيب أرضوغان عن السُّلطة، وباتوا يتابعون الشأن التركي أكثر من متابعتهم
شأنهم السوري الخاص. والمقصود بالسّوريين جميع السوريين من شبّيحة وثوار وما
بينهما. فالشبيحة يعتقدون بأن سقوط الحكومة التركية انتصارٌ كاسحٌ لهم، والثوار
يعتبرونها هزيمة مدوية أيضاً، فما الذي يجري في تركيا؟

بعد قضية
(أرغنيكون) التي تمّ بموجبها توقيفُ عدد من كبار الضبّاط المتقاعدين والعاملين وبعض
السياسيين والصحافيين بتهمة التخطيط لانقلاب على الشرعية الدستورية في تركيا،
وصدور أحكام قضائية قطعية بحقهم، اعتبر حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة في
تركيا أن القضاء التركي أصبح مُسيّساً، وأن حزب العدالة والتنمية يسيطر على القضاة،
ويوجّههم.

ما إن هدأت
غبار تلك المعركة التي استمرت ما يزيد عن ثلاث سنوات إلا وتُسرَّبُ وثيقة صادرة عن
مجلس الأمن القومي التركي في عام 2004 تقضي بمحاربة جماعة “فتح الله غولان
وهو الإسلامي الذي يعتبر الأب الروحي لأكبر (جماعة) تركية.

الأمر الغريب
أيضاً أن رجب طيب أرضوغان رئيس الحكومة آنذاك قد وقع على تلك الوثيقة. حينئذ قالت
المعارضة الرئيسة إن أرضوغان يستخدم سلطته لينتقم لفتح الله غولان. فالقادة
العسكريون الموقوفون في قضية أرغنيكون هم مَنْ فرضوا تلك الوثيقة.

كانت ردة فعل
الشيخ فتح الله غولان يومئذ على تسريب الوثيقة عبارة برزت في الإعلام العالمي كله:
كُسر جناحي!” فهو يعتبر أرضوغان جناحه، ولكنه بعد أيام قليلة
عدّل من موقفه، وقال: “فرضت الظروف في تلك الأثناء اتخاذ موقف كهذا. لقد أسيء
تفسير عبارتي السابقة.”

هنا بدأت
التأويلات، والتفسيرات والتحليلات تصدر بشكل كثيف جداً. ولكن غالبيتها أشارت إلى
قطيعة أو برود بين غولان وأرضوغان، وعلى الأقل لم يعد يرى أحد بأن العلاقة اللاحقة
بين الرجلين كما السابقة. ولكن الأمر شبه المؤكد في تركيا أن أيَّ حزب سياسي لا
يمكن أن يحظى بالأغلبية البرلمانية دون دعم “الجماعات“. والمقصود
بالجماعات هي الطرائق الدينية، وتأتي (الطريقة النورية) التي يتزعمها فتح
الله غولان على رأس هذه الجماعات لأنها الأوسع انتشاراً، والأقوى تأثيراً في
تركيا، وتضم كوادر هامة في مستويات الدولة كلها وهي متماسكة أكثر من تماسك أي حزب
سياسي، أي أنها لوبي ضغط لا يجرؤ أحد على المساس به حتى لو كان علمانياً متطرفاً.
وهذا يعني أن حزب العدالة والتنمية لا يمكن أن ينجح في الانتخابات القادمة إذا لم
يحظ بدعم هذه الجماعات، وهنا بدأ السؤال الهام: “هل قرر فتح الله غولان إنهاء
أرضوغان؟”

جاءت
“عملية مكافحة الفساد” في السابع عشر من كانون الأول لتلقي القبض على
مجموعة من كبار رجال حزب العدالة والتنمية..

سرعان ما حاول
أرضوغان تطويق الحدث، وعدّل الحكومة، وغيّر فيها عشرة وزراء…

لا يمكن
للمعارضة التركية المتمثلة بحزب الشعب الجمهوري ألا تستغل هذه الفرصة الذهبية بعد
أن تبددت فرصتها فيما سُميّ “احتجاجات تقسيم” إذا استطاعت
الحكومة أن تكسب تلك الجولة، وأن تقوي وضعها إذ سربت للصحافة خبراً مفاده بأن
العدالة والتنمية ينوي إجراء انتخابات مبكرة لحسم الأمر فقد كانت استطلاعات الرأي
العام تشير إلى أن الحزب سيحافظ على موقعه الراهن.

انطبق على
العدالة والتنمية مقولة: “الضربة التي لا تقتل تقوي” وهكذا أقدم الحزب
على خطوة هي الأخطر. الخطوة هي تمرير قانون حظر معاهد الدورات الخاصة. ولا
يخفى على أحد أن للجماعات الدينية كثيراً من معاهد الدورات، وأن إغلاقها سيجفف
واحداً من أكبر مصادر تمويلها، وهي تفيد قطاعاً اجتماعياً واسعاً من معلمين
ومستثمرين. مع البدء بمناقشة هذا القانون حدث أول صدع في جسم حزب العدالة
والتنمية
، وأعلن النائب إردال قالقان عن محافظة إزمير استقالته من الحزب بعد
أن أُحيل إلى هيئة الانضباط في الحزب، وقبل أن يصدر قرار فصله.

ولكن الضربة
الثانية جاءت مفاجئة، ومن داخل الدولة ونظامها، ومن إحدى سلطاتها الرئيسة وهي
السلطة القضائية، ولا تستهدف مشروع مركز تسوّق أو تسمية جسر باسم السلطان سليم
الأول الذي يسمى “قاتل الشيعة” أو “قاتل العلويين
بسبب قضائه على الشاهنشاه إسماعيل الصفوي مؤسس التيار الشيعي الحديث الذي يجد
اليوم امتداداً له في قم وما تمثله من امتدادات إقليمية، بل تستهدف رئيس الحكومة
شخصياً، وأوقفت العملية ابني وزيرين بتهمة الفساد، وصدر أمر من القاضي بالتحقيق
معهما موقوفين، كما تم توقيف عدد من كبار المسؤولين منهم مدير “
Halk Bank/
بنك الشعب”…

تقضي الأعراف
السياسية أن يقول رئيس الحزب وقيادته العليا: “نحن ضد الفساد، ويجب أن يأخذ
القانون مجراه” ولكن الأمر المفاجئ بأن العكس قد حدث. فبعد أن قال رئيس الحكومة
هذا عقَّبَ قائلاً: “إن هذه العملية تستهدفه شخصياً، وهي مؤامرة تهدف
ضرب الحزب قبيل الانتخابات المحلية”، وهاجم المُدّعي العام.

لم تتوقف
الأمور عند هذا الحد، بل بدأت تصدر تصريحات مُبطّنة عن قيادات العدالة والتنمية
ومنهم رئيس الحكومة شخصياً تحذر جماعة فتح الله غولان من التمادي في تصرفها هذا.. ولكن
الناطق باسم جماعة فتح الله غولان نفى أن يكون للجماعة أية علاقة بما جرى في
الاتهامات القضائية التي استهدفت قيادات الحزب.

نتائج الحملة
الحالية خسائر بالمليارات. وإذا كانت الليرة التركية قد خسرت نسبة سبعة ونصف
بالمائة من قيمتها في احتجاجات تقسيم الأولى، فإن خسائرها وصلت إلى سبعة ونصف
تقريباً من قيمتها في الأزمة الحالية حتى الآن، ولا أحد يعرف أين يمكن أن تتوقف؟؟

من جهة أخرى قفزت الفائدة على الليرة التركية
إلى فوق العشرة بالمائة، وهذه تعتبر ضربة قوية للاقتصاد التركي ومعايير الاتحاد
الأوربي التي تفرض على الدول التي ستنضم إليه بأن تكون الفائدة على عملتها برقم
آحاد أي تحت العشرة بالمائة. بمعنى آخر فإن استمرار الأزمة يعني ابتعاد تركيا أكثر
عن الاتحاد الأوربي.

إن الضربة الحالية
التي تلقاها حزب العدالة والتنمية قوية جداً، ولم تظهر نتائجها كلها بعد. فهل
ستستمر التّصدُّعات، ويخرج عدد من قيادات الحزب، وتجري عملية غربلة كبيرة أم أن
انشقاقاً كبيراً يمكن أن يحدث فينهي هيمنة الحزب التي وصلت إلى نقطة لم تشهدها
الجمهورية التركية في تاريخها السياسي بأن يصل حزب منفرد إلى السُّلطة لثلاث دورات
متتالية، وهو على أبواب الرابعة بعد عام من الآن؟ هل ستعود تركيا إلى الحكومات الائتلافية
القصيرة العمر والهشة البناء؟

أوّل المؤشرات
سيأتي بعد ثلاثة أشهر من الآن عند الانتخابات المحلية.. ولعلّ كثيراً من الأمور
ستجري حتى ذلك الموعد. ولكن الأكيد أن أحداً لم يظهر على الساحة كبديل لأرضوغان
بعد..

شاهد أيضاً

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

اعترافا بالهزيمة في سوريا .. وانكسار النظام

هذه المرة، لا أكتب مقال رأي سياسي، بل أبوح بحجم الهزيمة المرّة التي تعتصر صدورنا، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 − 3 =