الآن
الرئيسية / ثقافة / العنف.. الشرايين العميقة في الفكر

العنف.. الشرايين العميقة في الفكر

طبيب سوري

عدة مجازر في سوريا في وقت
متقارب جداً، معرفياً من العدمية المؤلمة
أنها لا تحدث في سوريا فقط، كما كانت قد حدثت في العديد من دول العالم خلال العقود
القليلة المنصرمة.. وباعتبار أننا لا نتكلم عن السوريين بمعزل عن العالم، وهذا هو
الاتجاه الذي نرغب في تكريسه في سوريا الجديدة بعد عهد حزب البعث، أصبحت
يقينياً تماماً أن الله على ما يبدو يتجلى
كفكرة، صافية متكونة تدريجياً، بعقول مخلوقاته المتطورة. هناك مخلوقات تتسلق هذه
الفكرة التي تساهم في تشكيلها، وهناك مخلوقات تبقى عند فكرتها الاولى، خالدة أو
ثابتة.

يبدو أن الحلزون بقي عند
فكرته الأولى يقضم بلذة ورقة خضراء، بينما كانت بعض اللافقاريات تتسلق الفكرة
الجديدة متحولة إلى زاحف جميل، ثم إلى ثديات، تاركة أيضاً مرة أخرى بعض الزواحف عندما
أصبح فكرة أولى لها، ثم إلى
Homosapınes (الإنسان العاقل) تاركاً وراءه ثديات أخرى، ثم
ماذا؟

يبدو أن الذين يبقون عالقين
عند أفكارهم القديمة، كثر، والآخرون الذين يجعلون الفكرة تسير نحو الأعلى يتغيرون
حيث لا معنى للإحصاء مع الروح، يتغيرون ربما غرباء عن الماضي، كما الثديات غريبة
عن الحلزون القديم الزاحف بجنبها يشاركها الأوراق الخضراء. غرباء هوية وجوهر كأنهم
ملك للروح التي يتبادلون التوليد، الإنتاج، معها، بحيث إن حدودهم الذاتية مفتوحة
ليس بطريقة الصوفية الشرقية الشعبية، حيث تختلط مع حدود الصخرة والشمس والديك إنها
مفتوحة لما سيأتي لاحقاً، مفتوحة تطورياً، إن الهوية هنا تنفجر لصالح مغامرة
زمنية، إني لست أنا المسمى هنا- الآن، بقدر ما أكون جزءاً من رمز هناك في
المستقبل، حيث يصعد بي الآخرون، وتتشكل بي هذه الكائنة اللا معرفية: الروح.

إن شخصاً يستطيع ارتكاب هذه
المجازر في سوريا، حتماً يقدمها كقربان لإلهه الخاص. ويبدو أنه على الإنسانية أن
تقبل بإنسان لازال ينتمي إلى البشر آكلي اللحوم، بدافع القداسة، في زمنها الحالي
من القرن الحادي والعشرين، كما تقبل أن هناك الكثير من الأمراض القاتلة تشكلها
فيروسات تنتمي إلى ما قبل الحياة. يبدو أن هذا الإله الخاص يشبه اللعبة، ارتدت في
الماضي أثواباً عديدة وسترتدي اليوم أيضاً أثواباً جديدة عندما يحين موعد القانون،
الذي يعرفه هذا الإله كشر كوني، بحرقه. ولكن عملية الحرق هذه يبدو أنها كما حدث
سابقاً لن تنتهي فكرة اللعبة، سيعود الإله – اللعبة، بتشكيل الرماد من جديد.

إن الآلهة الخاصة للجماعات،
جميعاً، تشبه أكثر ما تشبه، اللعبة، بل ربما يكون لها الطبيعة ذاتها.

إن هذا ليس دعوة تشاؤمية،
بل دعوة للتنقيب العميق في الفكر بحثاً عن الديناميكيات الدقيقة التي تحرك العنف،
وما نحن بحاجة إليه والى ما يدعم التطور الإنساني عامة، على مدى مئات السنين
القادمة، حتى يظهر نوع – كائن جديد، بحيث تتخذ اللعبة – الإله الخاص شكلا ألطف في
تشكلاتها ونزاعها.

إن القانون الدولي، والجمعية
العامة للأمم المتحدة تشكلان نقلة نوعية في الفكر الإنساني، سيترتب عليها انتقال
في المفاهيم الفكرية الأساسية التي تبرز في حياتنا، وكبلد شرقي يمر حالياً في
ثورة، سنملك الفرصة للبدء الجديد والتعديل المؤثر في الحياة الإنسانية، كما نتمنى.

العنف

هو الاعتقاد بسيادة النقطة
الوحيدة الواحدة. هو وهم القمة التي هي نقطة. هو وهم النهاية الوجودية عند إله،
الذي هو فيها نقطة: الفردوس أو الجحيم، كل منهما كل متماثل، ويقعان على طرفي نقيض
مطلق.

العنف هو ابستومولوجيا
الهرم، حيث الاتجاه إلى اكتمال ذروة الهرم، فيه يحق لأي شخص الاعتقاد أن الآخر لا
يريد الوصول إلى هذه الذروة فيزيحه.

عنف المكان – الحضور

تتشكل النهاية مع عدم
القدرة على تحديد الذات، أي التماثل الكامل لما كان ذاتاً قبل الوصول إليها،
وتتشكل أيضاً مع افتقاد نهائي للقدرة على العودة أو المراجعة والتعديل. إنها
المكان المختصر في نقطة اللافعل.

إنن هذا الوقوف الثابت، تم
دفعه إلى وجود ميتافيزيائي، فدعي بالآخرة، وقفاً للعي الشعبي الشائع. وقد دفع
للآخرة لأنه يمثل ما لا يطاق بالنسبة للحياة الواعية المجربة. فهذه الحياة المجربة
على الفعل، ستنفي كل محاولة تفلت فجأة للوصول إلى حالة حضور كامل، ستخلق ضداً لكل
حالة مكان موجود مدرك بالكامل. إن مكاناً حاضراً، بمعنى أن الحياة أو من تتمثل
بهم، تملكه، تدركه، يمكنها الحكة فيه، يشعرها بأنه بدأ يتقلص إلى نقطة. ولخرق هذا
التهديد، بدأت الحياة بالغزو، وسورت المدن. بحيث إن هذه الكتلة الكاملة الحاضرة،
ستخلق الفجوات الضائعة الغريبة عنها في داخلها، فتنقلب على ذاتها باستمرار، تشكل
فيها الفقاعات دائماً، تتمرد الأيديولوجيا على نفسها وتبدأ صراعاً، هدفه عدم حضضور
المكان كلياً.

وسيميائياً (دلالياً) سنجد
أن المكان المعروف، ينفى. فيتم الحديث عن مكان ورائه، موجود ويجب البحث عنه، لن
يسمح أبداً للمكان بالتقلص. فتكلموا عن جزيرة أطلنطا المخفية، وعن مكان ما وجزر
مغرية وراء البحار، وكان اكتشاف الأمريكيتين ثروة حقيقية لحياة الممتدة، كأنها
البرهان على صحة ادعاءاتها حول أمكنة مخفية مرة أخرى، ستبقى تزودنا بالأمل إلى أن
يتم العثور عليها كالأمريكيتين.

وفي المكان ذاته تم خلق
فجوات، كما تحدثوا سابقاً عن الكهف السحري المقدس الذي آوى من ناموا في عدة قرون،
أحدثوا فقاعة جديدة في المكان الذي أصبح من الممكن تصويره كلية بالأقمار الصناعية،
والعلم يبحث الآن عن أسرار مثلث برمودا. لقد قلت إن الحياة تمتد وتخلق الفجوات،
لأوحي أن الأمر على ما يبدو من شروط وجودنا هنا.

ومن خرق المكان الحاضر
أيضاً الكلام فيزيائياً عن الأكوان المتوازنة، وعن السفر عبر الزمن. من ثم الممنوع
على المكان أن ينتهي. من الممنوع على الإدراك الاكتمال باكتمال مسقطه المكاني.

يتفرغ هذا المكان الحاضر
دائماً عن طريق ثقب غياب ما، كالسفر الزمني وجزيرة اطلنطا و..

قد يكون ثقب الغياب هذا
جميلاً للوهلة الأولى كالأمثلة التي ذكرتها، وقد يكون ثقب الغياب ليس كذلك، بل عن
طريق إفراغ المكان الحاضر باستمرار، بالقتل، باعتبار الآخر ثقباً للغياب.

إن وظيفة الدولة، بطريقة
أخرى، استكمالاً لهيجل، هي دفع ثقب الغياب
بعيداً، خارجها. إن وظيفة الأيديولوجيا والأسطورة أيضاً، بتشكيلها مجتمعاً دفع ثقب
الغياب بعيداً. ولكن يبدو أن الاثنين قد فشلا في هذه الوظيفة وبجدارة. إن تناقضاً
عميقاً يتخلل هذا العمل الحياتي.

ينتهي الهرم في نقطة هي
الدافع لهذا العنف، وما ثقب الغياب، إلا توسيع لقاعدة الهرم باستمرار، بحيث تبتعد
هذه النقطة، أو تتلاشى مؤقتاً.

يبدو أن شروط حياتنا يجب أن
تتغير، لم يعد المكان الحاضر، نهاية. ولم يعد المكان الحاضر ذا معنى، إنه لا شيء.
نحن بحاجة إلى حضور دائم دون أن يكون اختزالاً في نقطة، دون أن يكون نهاية.

إن التناقض العميق لشرط
الحياة الإنساني هذا يكمن في آلية وسيميائية (رمزية) التفكير الهرمي، الذي يظهر
بالرغبة الملحة في إيجاد نظرية كل شيء، في الأسطرة لإله واحد نقطي هو منبع الأفكار
ونهايتها، في خيال علمي بسيطرة إنسانية على الكون بمجراته.

إن الإنسان يفكر كهرم، يبني
القاعدة وترتفع الجدران بالتدريج لتصل إلى نقطة هي الاكتمال الذي هو النهاية، التي
هي رعب الإنسان، ومصدر عنفه: الي هو تدمير مستمر لهذه النهاية النقطة.

علينا أن نفكر كما تبنى
القبة، مقولة شائعة جداً، ولكن القبة ليست إلا الشكل البدائي للهرم.

والهرم هو قبة مفرطة في
تقببها، مدللة بشكل بارز، وجدت في الحياة الإنسانية: قبة جامع، مسلة فرعون،
أهرامات مصر، أهرامات المايا، برج إيفل .. أشكالاً رامزة للتفكير الإنساني.

القمع

للشجرة شكل قمع، للشوكة شكل
قمع .. للمنقار للمخلب للخرطوم، لهبوط الماء شكل قمع.. للتفسير وللرمز شكل قمع..
إذن للكونية شكل قمع. أما الهرم فشكل من؟ الهرم شكل ذاته فقط.

إن هذا التضيق المتواصل نحو
الأعلى هروب من ألم الاتساع الداخلي المكاني، في الإنسان وحياة العقل إلى الوحدة
والخلاص، ولكن بمجرد الاقتراب ن هذه النهاية يبدأ العنف والهدم: ثقب الغياب. هنا
مرة أخرى التناقض في هذا الشرط الوجودي للإنسان.

إن الهرم يدعو للتفكير
صعوداً أو باتجاه واحد صحيح، ولا مجال فيه للتفكير باتجاه آخر، لذا بدا الشرط
الوجودي للإنسان تناقضاً. ربما أن على البشرية أن تبدأ بالنزول والصعود معاً نحو
منطق آخر غير المنطق الأرسطي التقليدي، وهذا ما بدأ فعلاً فأصبحنا اليوم نتكلم عن
المنطق المرن، المقارب للمنطق النقائضي الشرقي.

ليس هناك من تناقض بالنسبة
لهذا الشرط إلا بالنسبة للهرم نفسه، حيث من (الطبيعي) أن الجاذبية تشد الهرم إلى
أسفل وتمكنه، فكان من المنطقي جداً أن يبني الإنسان وفقاً لهذا الشرط هرماً، يصعد
نحو الأعلى، وكل حركة بناء نحو الأسفل تعد جنوناً.

الآن وصل الوعي إلى إدراك
هذا الشرط كونه شرطاً طبيعياً حتمياً. فالبناء نحو الأعلى منطقي ولكنه لم يكن لولا
الجاذبية نحو الأسفل. فالوعي أصبح قادراً على الانتقال إلى البناء في ماهية هذا
الشرط وليس نتيجة له.

إذن الهرم شكل من؟ إنه
الشكل الخاص بوجود الإنسان نتيجة شرط طبيعي.

الانتقال من الطبيعة الخاصة
بالإنسان، إلى الطبيعة الخاصة بنفسها، إلى الطبيعات العديدة.

شاهد أيضاً

“مسرح البلد”.. إغلاق وبحث عن مكان جديد

تتعدّد الأسباب، لكن النتيجة واحدة؛ لا حماية تفرضها التشريعات للفضاءات الثقافية في معظم البلدان، حيث …

وضوء الدم!

ركعتان في العشق لا يكون وضوءهما إلا بالدم، تلك إحدى تجليات صوفي خلع الخرقة وترجل …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

seventeen − 15 =