الآن
الرئيسية / سياسة / حوارات / العمل المدني في سوريا قيد ولادة مشوهة من جديد… تفتقد الشفافية والكتائب المسلحة تتحكم بها وآليات العمل المؤسساتي غائبة في معظمها

العمل المدني في سوريا قيد ولادة مشوهة من جديد… تفتقد الشفافية والكتائب المسلحة تتحكم بها وآليات العمل المؤسساتي غائبة في معظمها

ريفان
سلمان- صدى الشام

إذا
أغفلنا بدافع بحثي أهمية العمل الإغاثي وحاجته الإنسانية الملحة في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة آخذين بعين الاعتبار عملها
في ظل الظروف القاهرة، وأغفلنا أيضاً بعض الحالات الفريدة والاستثنائية المتمثلة
ببعض كوادرها ونظرنا إلى بنية الجمعيات الخيرية، فإننا لا نجد فرقاً بين وضع
الجمعيات المدنية القائمة تحت سلطة النظام السوري والناشئة في المناطق الخاضعة لسيطرة
المعارضة من عدة أوجه.

رحلة ضمن الجمعيات القائمة في ظل النظام
السوري

ولو انطلقنا بنظرتنا من دراسة الجمعيات
القائمة في ظل النظام نجد أن عددها تضاعف في السنوات العشر الأخيرة لتتجاوز النسبة
100 %، ليبلغ عددها حتى عام 1999م 462 جمعية ووصل إلى 567 جمعية بين الأعوام
2000-2012م أي خلال العشر سنوات الأخيرة، وهذا يعد مؤشراً واضحاً على زيادة
الاهتمام بها وبدورها وبالإضافة لما أدت إليه هذه الزيادة من حيث الكم فإنها تنوعت
لتشمل كافة الأنشطة في المجتمع.

ويرى
المتابع تزايد اهتمام النظام السوري بالقطاع الأهلي والانعكاس الجلي لهذه السياسة يظهر
في الخطط الخمسية وخصوصاً العاشرة والحادية عشرة، ومواكبة التشريعات لهذا الاهتمام
عبر السعي لإصدار قانون جديد تحت عنوان قانون منظمات المجتمع الأهلي، قبل أن يعيد
حسابه ويطلق عليها مؤخراً الجمعيات غير الحكومية بعد انطلاق الثورة السورية كنوع
من محاولة الهروب من كلمة مدني علماً أن القانون الذي كان ينظم عملها أقر منذ
العام 1958م.

وتحتل
محافظة دمشق وريفها وحلب المراتب الثلاث الأولى في عدد الجمعيات، تليها حمص واللاذقية
وحماة وطرطوس ثم السويداء وتأتي إدلب ودير الزور والحسكة والقنيطرة والرقة ودرعا في
آخر السلم. وتغلب عليها الطابع الخيري الأقدم بتاريخ تأسيسها، وظهرت التنموية في سوريا
لأول مرة بتأسيس الأمانة السورية للتنمية عام /2001م/ التي تشرف عليها بشكل مباشر
أسماء الأخرس زوجة بشار الأسد، ونفس الأمر حدث فيما يتعلق بالجمعيات البيئية، ويوجد
تقصير في إنشاء الجمعيات التي تعنى بالمرأة، حيث أخذت مثل هذه الأنواع بالتزايد نسبياً
لتصل ذروتها بعد العام /2004/م.

ولاتزال
بنية الجمعيات القائمة في ظل النظام ضعيفة والتخطيط فيها محدود رغم امتلاك معظمها رؤية
وهدف واستراتيجية عمل. ولذلك تفشل في معظم الأحيان في بلوغ أنشطتها المخططة لحداثة
عهدها والظروف الخارجية المحيطة بأنشطتها بالإضافة لضعف مواردها واعتمادها على المتطوعين
ونعتقد أن السبب الأساسي وراء ضعفها متعلق بالقرار السياسي القائم، رغم أن معظمها
ينحو باتجاه التشاركية كسمة غالبة على الجمعيات خصوصاً مع القطاع العام ويعتبر ذلك
توجها عاماً للنظام ولو كان هذا التوجه شكلياً، حيث تعمل الجمعيات على نشر ثقافة المجتمع
المدني وقيمه سواء عدم التمييز وتعزز المواطنة وتعزيز قيم الفرد، ونشر ثقافة التطوع
ولكن يبدأ ذلك بالانحسار لدى الكلام عن الشفافية والديمقراطية والنقد والحكم
الرشيد.

تأثير
الثورة على الجمعيات في ظل النظام السوري

أجبرت
الثورة السورية النظام على إعطاء دفعة باتجاه محاولة إيجاد حلول إسعافية للقطاع
المدني الذي يرفض الاعتراف به بشكل فعلي ويستعيض عن تسميته الأساسية باسم أهلي،
وبعد انطلاقتها اتجه النظام لإعطاء حبوب الأسبرين لهذا القطاع، عبر إنشاء هيئة وطنية
للمجتمع الأهلي وآلياتها وإعطاء مشروع قانون منظمات المجتمع الأهلي الجديد صلاحية منح
إشهار الجمعية للمحافظ، وذلك لتسهيل إجراءاتها التي تغيرت من حيث العنوان العريض
إلا أن ضعف مالية الجمعيات تعيق من فعاليتها، وهنا تظهر عدة خطوات غير كافية لإزالة
هذه المعيقات كزيادة قيمة المساعدات المالية من /25/ ألف إلى /100/ ألف وظهور نظام
الاعتمادية لتحديد الجمعيات التي تستحق هذا المبلغ الغير كافي أيضاً خصوصاً مع لحظ
بعض الجمعيات الصحية وتكاليفها العالية، ولذلك فقد شملت إيرادات الجمعية بند اسمه النشاط
الاجتماعي وتضم أيضاً الإعانات الحكومية تقدم لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل للنظر،
ولكن لا يوجد خارطة واضحة ومازالت بحاجة للحصول على الموافقات، وسيسمح القانون الجديد
باستثمار أموال الجمعيات وهذا أمر جديد، ويجري تداول الامتيازات الضريبية مع وزارة
المالية، بينما مايزال التمويل الخارجي للأنشطة يخضع للقيود.

وبالوقف
عند أسباب أخرى تعيق هذا القطاع نجد أن هناك إجراءات روتينية عديدة لإقامة الأنشطة
حيث مايزال الحصول على الموافقات قائماً رغم أن وزارة الداخلية أصدرت عدة قرارات في
الأعوام /2005/ و/2009/ وآخرها /2011/ م تضمن إلغاء الموافقات الأمنية حول الأنشطة
باستثناء /67/ حالة، إلى أنه لم ينفذ شيء فعلياً على أرض الواقع.

وتشير
دراسة تعنى بهذا القطاع إلى بعض الطرق الضرورية لزيادة فعاليته من خلال إجراء دورات
تدريبية بين وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الداخلية خصوصاً في مجال الرقابة المسبقة
على الأنشطة، وأنه يجب تغيير عقلية الموظفين لتخفيف الضغط على أنشطة الجمعيات واعتماد
مبدأ الرقابة اللاحقة بدل المسبقة والتي تعيق عملها، كما تشير إلى أنه لا يوجد مقياس
دقيق لتحديد حجم مشاركة القطاع المدني في الناتج المحلي الإجمالي رغم وروده كهدف في
مسودة الخطة الخمسية الحادية عشرة وأنها ستسعى إلى زيادة مساهمته لتصل إلى /2.5/ بالمئة
ويبقى ذلك شعار لانعدام الآليات الحقيقية التي تؤدي إلى قياس حجم مشاركته فيه بشكل
حقيقي، وتنصح الدراسة بإطلاق مصطلح مدني بدلاً من أهلي لأنه لا يخدم ومن الأفضل اعتماد
المصطلح العلمي الدقيق أي /مدني/ وقبوله رغم تخوف النظام لما يحمله من شحنة سياسية،
فالأول يعطي دلالة لما هو عائلي وقبلي أي الروابط غير الحضارية، ومن هنا فإنه يجب بناء
هذا المجتمع على أسس علمية متينة بدءاً من المصطلح وانتهاء بإزالة كل معيقاته التشريعية
والروتينية ليساهم بشكل فعال في عملية التنمية، وكل ذلك مرتبط بالقرار السياسي
الغير متوفر ويبدو أنه لن يتوفر أبداً.

الجمعيات
القائمة في ظل الثورة السورية

انطلق
نوعان من الجمعيات في ظل الثورة السورية وفقاً لمنطقة نشاطها سواء الداخلية ضمن
الأراضي التي تخضع لسيطرة المعارضة أو خارج سوريا، وبعضها خارجية لها فروع في
الداخل.

وبالنسبة
للعاملة خارج الأراضي السورية فقد نشطت في الدول المجاورة سواء الأردن أم لبنان أم
العراق أم تركيا لتأتي الأخيرة وبحكم موقعها وتوجهها السياسية كبوابة أساسية
للداخل السوري وخصوصاً في الشمال، حيث كان لها الأثر والدور الأكبر في إدخال المعونات
والمساعدات رغم قلتها، وتنوعت جنسسيات هذه الجمعيات حسب من أطلقها سواء كانوا سوريين
أم منظمات عربية أم إسلامية أم دولية.

اعتمدت
هذه الجمعيات على المساعدات الخارجية مما بات يعرف بأصدقاء الشعب السوري وخصوصاً
من الدول الخليجية ورجال الأعمال والتبرعات الشعبية لصالح السكان المتضررين من
الحرب، ورغم الصخب الإعلامي الذي يرافق هذه المعونات الشحيحة إلا أنها ضرورية
ومطلوبة جداً خصوصاً نتيجة انهيار كل مرافق الحياة وخصوصاً منها الاقتصادية، حيث
يعيش معظم السوريون حالياً تحت خط الفقر، بالأخص الصحية منها والتي توزع الأغذية وحليب
الأطفال.

أغلب
الفروع الخارجية لديها تنظيم شبيه بالتنظيم العام للجمعيات من حيث الهيكلية لكن
تحتاج للشفافية، والخلل الأكبر يأتي في معايير تعيين الموظفين فيها وآلية تقييم
المشاريع، بالإضافة إلى الآلية التي تحكم فتح الفروع ومنافذ التوزيع وطرقه، فما هي
الآليات والمعايير التي تتبعها وكيف تقوم بالرقابة المسبقة واللاحقة؟ وكم تقرير
أصدرت هذه الجمعيات عن نشاطها والكميات التي استلمتها ووزعتها؟ وهل وزعت هذه
الإغاثة فعلاً؟ من هي الجهة الرقيبة عليها وعلى أدائها؟ أين الوزارة الناظمة
لعملها؟

صحيح
يوجد جمعيات لديها خبرات كوحدة التنسيق والدعم التابعة للائتلاف السوري لكن كثرة
الشكاوي منها وتنوع هذه الشكاوي وامتدادها في عدة مناطق جغرافية ومع تطابق الشكاوى
في بعض الأحيان، يضع حولها إشارات الاستفهام الكثيرة وتجعلنا نتساءل هل ستنجح في
الهروب من الرقابة والمحاسبة؟.

أما
عن ما يتردد من آراء حول الجمعيات التي تقدم خدمات متنوعة وبعيداً عن أي شيء فإن
الناشطين يقولون أنها عبارة عن آلية لتبييض الأموال ومن يقيمها لا يهتم بفاعليتها
بقدر ما يهتم بمدى استمراريتها وحرفيتها؟ والمقصود بالحرفية هو أسلوب عملها وكيفية
تعاملها مع البيئة المحيطة؟ أي باختصار طرق احتيالها على المجتمع.

وهنا
نتيجة لحداثة العهد لا يوجد إحصائيات دقيقة لهذه الجمعيات، ولكن معظمها متواجد في
مقرات منتشرة في المدن التركية المتاخمة للحدود مع سوريا كالريحانية وغازي عينتاب،
ولها منشأين إما إسلامي مرتبط بالإسلام السياسي أو علماني مدني مرتبط بسياسات
غربية ونادراً ما تجد الوطنية منها وإن كانت تتبع في بعض الأحيان لكتل سياسية
سورية.

الناشطة
في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة

بالعودة
إلى الجمعيات القائمة في ظل المعارضة، لا نجد لها أي إحصائية دقيقة ولا هيكلية
واضحة ولا يوجد لها هيئة موحدة لعملها ولا آلية للرقابة ولا أسس لإنشائها أو أدنى
حد من القواعد الضابطة لعملها. سوى أنها تنطلق من الحاجات الماسة التي خلفتها
الحرب على المجتمع السوري وضرورة تظافر الجهود لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا
المجتمع.

وتعتمد
معظمها على الإعانات الخارجية إلا ما ندر التي تنطلق بتمويل داخلي أو ذاتي، وقليل
منها تعمل وفق نظام داخلي حقيقي ولا يوجد بينها مؤسسات حقيقية وبالتالي تنتفي عنها
المؤسساتية بشكل واضح، وهي أقرب منها لمنافذ التوزيع والاستهلاك، وبدون استراتيجية
أو رؤية في معظمها أو بدون تمويل إن وجدت الخطة، لأنها لتحصل على الدعم يجب أن
تتبع أحد التيارات السياسية أو العسكرية وخصوصاً العسكرية والتي تتدخل بعمل
الجمعيات بشكل مباشر، حتى أنه يمكن القول إن معظم الإغاثة توزع على الكتائب
المسلحة أولاً وبيئتهم المحيطة ثم على باقي الناس وفقاً لمعايير غير واضحة وهو ما
فرز نتائج سلبية واضحة وأدى إلى تمايز الناس عن مقاتلي المعارضة.

المقارنة
بين الجمعيات خطأ علمياً ولكن..

لا
يمكن مقارنة جمعيات عمرها مئات السنين مهما كانت ظروفها، بجمعيات عمرها سنتين نسأت
في ظل ظروف قاهرة وبإمكانات ذاتية معدومة وفي ظل قلة في الكوادر المؤهلة.

وقد
أدى شح الإغاثة وندرة توزيعها وفقاً لمعايير يعرفها الناس إلى شرخ في الحاضنة
الشعبية بين الناس والكتائب المسلحة وظهرت الأخيرة وكأنها بديل للفروع الأمنية
التي كانت تسيطر على مقدرات البلد وخيراته رغم أننا مقتنعون بأن هذه المقارنة غير
صحيحة إلا أنها من حيث المبدأ ذاته.

وإنك
يمكن أن تتوقع وجود فساد مستشري فيها أو وجود محسوبيات وأيضاً وجود عشوائية في
التوزيع وحتى يمكنك أن ترى توزيع الحليب والأغذية الفاسدة وبيع المواد الغذائية
والإغاثية المجانية في تلك المناطق، ويمكن وضع العديد من الأسباب لوجود هذه الحالة
سواء نتيجة لحداثة عهدها وضعف إمكانية وطرق مراقبتها ومراقبة أي منتج داخلي في
المناطق التي تسيطر عليها المعارضة والتركيز فيها على الحرب وما تفرزه من معضلات
الكثير منها مازالت مستعصية.

شاهد أيضاً

اللواء محمد حاج علي لـ”صدى الشام”: تشرذم الفصائل والمصالح الدولية وراء استسلام الجنوب

أرجع اللواء المنشق عن قوات النظام “محمد حاج علي” نجاح روسيا في فرض اتفاق مصالحة …

مسؤول لبناني: عودة العلاقات مع نظام الأسد ضرورياً لمصلحة لبنان

اعتبر نائب رئيس مجلس النواب اللبناني ايلي الفرزلي أن عودة العلاقات “أمراً حتمياً وضرورياً لمصلحة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ten + 18 =