الآن
الرئيسية / محليات / صدى البلد / الزمن لا يشفي الصدمة بل يحولها إلى مزمنة .. آثار الأحداث السورية الصادمة على الأطفال

الزمن لا يشفي الصدمة بل يحولها إلى مزمنة .. آثار الأحداث السورية الصادمة على الأطفال

وردة مصطفى

في حالات النزاع المسلح الذي تعيشه سوريا اليوم، أصبح القصف والقذائف
وإطلاق النار والنهب واقتحام البيوت والاعتقالات والقتل والإساءة والتعذيب
والتشويه والاغتصاب، جزءاً من حياة السوريين اليومية خاصة في الأماكن الساخنة،
وبالتالي تعرض هذه الأحداث كلاً من الأطفال والراشدين للتجارب الصدمية بشكل كبير.

لا تؤثر التجارب الصدمية على الأشخاص كلهم بالطريقة نفسها، فتعتمد الآثار
على عوامل كثيرة منها( حدة التجارب، مدتها، مدى قرب الأشخاص من التعرض لها، نظرة
الأشخاص إلى الحدث وتقييمهم وتفسيرهم إياه، العمر، النضج، الشخصية، التجارب
السابقة، الدعم الاجتماعي).

ماذا نعني بالأحداث الصدمية: هي أحداث خارجية خطيرة ومربكة ومفاجئة تتسم
بقوتها الشديدة أو المتطرفة، وتخرج عن نطاق التجربة الإنسانية الطبيعية وتهدد صحة
الشخص أو حياته أو صحة الآخرين وحياتهم.

ماهي ردود فعل السوريين على التجارب الصدمية التي يعيشونها:

ليلى فتاة راشدة من ريف إدلب السوري استيقظت يوما ما على صوت الطيران يحلق
فوق سماء قريتها وأصوات الصواريخ والقنابل في أنحاء المكان، وفجأة تجد نفسها مرمية
على ركام منزلها وكانت الناجية الوحيدة في أسرتها. أثناء الحدث وبعده مباشرة شعرت
ليلى بالصدمة وأحست أن ماحصل غير واقعي، وبدأت تشعر بالجمود في عواطفها، وتراها
خائفة من أن تقع المزيد من الأحداث الرهيبة، ومتيقظة لوقوع أي خطر محتمل وبانتظار
صاروخ أو قصف مفاجئ آخر. مرَّ أسبوع على الحادثة واستمر شعور ليلى بالقلق والخوف
وبدأت تبتعد عن أي شي يذكرها بالتجربة الصدمية التي عاشتها تذكيراً مباشراً، وبقيت
مشاهد ذلك الحدث وكل مايرافقه من انطباعات حسية مختلفة تقتحم ذهنها فتعود وتعيش
المشاعر ذاتها التي عاشتها أثناء الحدث، ومنذ تلك الحادثة وهي تلوم نفسها وتعتقد
أنه كان باستطاعتها أن تفعل شيئاً ما وتساعد أفراد أسرتها الذين فقدتهم عند وقوع
الحادثة.

حال ليلى كحال الكثير من السوريين الذين يعيشون أحداث صدمية مشابهة وتتشابه
ردود فعلهم المباشرة نحوها، وعلى المدى البعيد يعاني الأشخاص المصابون بالصدمة
والذين لم يتلقوا المساعدة اللازمة من اضطرابات القلق التي تؤثر بشكل كبير على فيزلوجيتهم
ونفسيتهم ويصبحون عرضة للإصابة بالاكتئاب، فيشعر الشخص عندها بالحزن والفراغ
والتعب وفقدان الطاقة بشكل دائم، ويفقد الاهتمام بالأنشطة اليومية، كما يعاني
الشخص المكتئب من اضطرابات في النوم والغذاء يرافقه شعوره بالذنب والعجز ويعاني
صعوبات في التفكير والتركيز واتخاذ القرارات وتتوج كل هذه الأعراض بما هو أهم وهو
تفكيره المتكرر بالموت والانتحار ومحاولات الانتحار المتكررة.

ردود فعل الأطفال على التجارب الصدمية

بشكل عام تتطابق ردود فعل الأطفال على التجارب الصدمية مع ردود فعل
الراشدين، فقد يعاني الطفل الصغير من الاكتئاب فيبدي فقداناً عاماً للطاقة وتعباً
كما الراشدين لكن مزاجه غالباً ما يكون نزقاً ومتقلقلاً أكثر.

علي تلميذ المدرسة الابتدائية النشط والفعّال بعد تعرضه لحدث صادم في ريف
حماه بدأ يميل للانسحاب أكثر وأكثر وغالباً ما يشتكي من ألام جسدية وهمية، وهاهو
يعاني مشاكل في التركيز سيؤدي لاحقاً إلى تراجع مستوى تحصيله الدراسي.

قد يعاني أطفال الصدمة أيضاً اضطرابات قلق يعبرون عنها من خلال البكاء
والنوبات المزاجية والتعلق بأشخاص مقربين، بالإضافة إلى الخجل والانسحاب الاجتماعي
العام، وفي الوقت ذاته يتراجعون في أدائهم الدراسي بسبب سوء الانتباه والتركيز،
وبناءً على ذلك يعتبر الأشخاص المصابون بالاكتئاب أو اضطرابات القلق عرضة للفشل في
تحقيق مستويات النشاط الفكري والاجتماعي المناسبة لأعمارهم.

إجمالاً يكون تأثير الحدث الصدمي أكبر كلما كان الحدث أقرب إلى الأطفال
الذين تعرضوا له، فمن المرجح أن يصاب طفل شاهد أخاه يُقتل بصدمة أكبر من طفل سمع
أن شخصاً فقد أخاه، لكن من الأهمية بمكان الإشارة إلى وجود فروق فردية بين الأطفال،
ونذكر هنا حالة الطفل محمد الذي يعيش في دمشق وعلى الرغم من وجوده في منطقة هادئة إلّا
أن مشاهدته للتلفاز مع أفراد أسرته وتعرضه لمشاهدة أحد المجازر المروعة -التي كانت
تتسارع القنوات التلفزيونية في بثها- أثرت على رفاه الطفل بشكل عام وحالته الاجتماعية والنفسية والجسدية.

هذا ويتفاوت تفاعل الأطفال مع الأحداث الصدمية وفقاً لأعمارهم:

الأطفال في سن الخامسة مادون

أحمد طفل الأربع سنوات تعرض لصدمة عنيفة أثر نزول قذائف عشوائية على
مدينته التابعة لمحافظة حماه، ومنذ تلك الحادثة الصادمة بدأ يظهر تعلقاً شديداً
بوالديه وأخته الكبرى ويخاف الابتعاد عنهم، ويمضي معظم يومه في البكاء والصراخ دون
سبب واضح، وأصبح كثير الحركة وأحياناً يظهر تصرفات مناسبة لمن هم أصغر سناً منه
كالخوف من الظلام ومص الأصابع، وهنا يجدر بنا التنويه إلى أن الأطفال يراقبون
أهلهم فإذا أحسوهم خائفين وقلقين ازدادت درجات الخوف والقلق عندهم.

الأطفال (6سنوات حتى 11سنة)

غنى فتاة التسع سنوات هُجرت من منزلها هي وأسرتها بعد تعرض حي صلاح الدين
في حلب للقصف والقذائف العشوائية واشتباكات عنيفة بين قوات النظام والمعارضة
المسلحة، استطاعت وأسرتها الخروج من المنزل بعد اختباء دام أسبوعاً، يملؤه الخوف
والرعب وتكلل هذا بخروجهم مذعورين تحت إطلاق النار في كل مكان والجثث تملأ الشوارع،
ومنذ تلك الحادثة نجد غنى وقد فقدت السيطرة على مزاجها وتصرفاتها، وهناك أطفال
كثيرون عاشوا أحداث صادمة مشابهة للحدث الذي عاشته غنى فنراهم أصبحوا يميلون بشكل
ملحوظ للانسحاب الاجتماعي ويصبحون عدائيين ومزعجين وسريعي الغضب ولأنهم في سن
المدرسة فنجدهم يفقدون القدرة على التركيز والانتباه وقد يرفضون الذهاب إلى
المدرسة ويهربون منها أحياناً كثيرة، وقد يرافق ذلك آلام جسدية لا أساس طبي لها،
وفي بعض الحالات يعاني الأطفال المصدومون من الاكتئاب والقلق.

المراهقون (12-17 سنة)

قد تنتاب المراهقون الذين عاشوا صدمة معينة أفكار وصور متكررة من الأحداث
الصادمة لا يستطيعون السيطرة عليها، وقد يعانون الكوابيس ومشكلات في النوم وفقدان
التركيز والانتباه، هذا وإنهم يدمنون الأدوية للتخفيف من أعراض القلق والإجهاد
الذي يعيشونه ويصبحون غير اجتماعيين وانطوائيين، وقد يصاب بعضهم بالاكتئاب والقلق
الزائد.

إذاً لا يبدي الأطفال والمراهقون جميعهم ردة الفعل ذاتها، فالأطفال الذين
تعرضوا أكثر من مرة لأحداث حياتية صدمية والذين يفتقدون للدعم الأسري عادة يكونون
عرضة للإصابة بمشاكل نفسية أكثر من غيرهم.

اضطرابات الضغط النفسي الناتج عن الصدمة

إن الأشخاص الذين يتعرضون للأحداث الصادمة معرضون للإصابة بما يطلق عليه
اضطرابات الضغط النفسي ما بعد الصدمة، هذه الحالة المرضية عبارة عن اكتئاب قد ينتج
عنه عيش تجربة الصدمة مراراً وتكراراً بصورة مستمرة على شكل هلوسة أو كوابيس مع
تجنب كل المنبهات التي تعيد إلى الذاكرة هذه التجربة. إن الآثار النفسية للأحداث
الصادمة التي ترافق الحرب قد تمتد بآثارها على أسرة الشخص المصاب بكاملها وقد
تنتقل للأجيال اللاحقة بالوراثة.

طرق التدخل لمساعدة المتأثرين في الظروف الصادمة

الأهم نقل المصاب من بؤرة التوتر إلى مكان أكثر أماناً، وبعد ذلك إعطائه
فرصة ليصف ماحدث من وجهة نظره ولغته الخاصة والتعبير عن مشاعره أثناء الحدث وبعده،
ونساعده على الشعور بالأمان من خلال تقديم المساعدة النفسية له وتطمينه، وكل ذلك باستخدام
مهارات الاستماع الفعال معه هذا ويفضل العمل على دمجه في أعمال وأنشطة جماعية
تساعده في عملية التفريغ الانفعالي.

ويرى المختصون في الطب النفسي أن الصدمات التي يتعرض لها الطفل بفعل
الإنسان أقسى مما قد يتعرض له من جراء الكوارث الطبيعية وأكثر رسوخاً بالذاكرة،
ويزداد الأمر صعوبة إذا تكررت هذه الصدمات لتتراكم في فترات متقاربة. ومن معوقات
الكشف عن هذه الحالات لدى الأطفال هو أنه يصعب على الأطفال التعبير عن الشعور أو
الحالة النفسية التي يمرون بها بينما يختزلها العقل، وتؤدي إلى مشاكل نفسية عميقة
خاصة إذا لم يتمكن الأهل أو البيئة المحيطة بهم من احتواء هذه الحالات ومساعدة
الأطفال على تجاوزها.

دور الأهل والبيئة المحيطة

يجب على الأهل في حال تعرض الطفل لظروف مروعة أن يبدؤوا بإحاطتهم بالاطمئنان،
وأن لا يتركوهم عرضة لمواجهة هذه المشاهد دون دعم نفسي، وذلك عن طريق الحديث
المتواصل معهم وطمأنتهم أن كل شيء سيكون على مايرام وأنه لن يصيبهم شيء، مع
التركيز على بث كلمات من الحب وتشتيت فكرهم عن التركيز في الحدث المروع خاصة في أوقات القصف وإطلاق القذائف والصواريخ
في حال وقوعها على مقربة منهم، فهذه اللحظة هي الأهم في حياة الطفل النفسية وكلما
تركناه يواجهها وحده يزداد على المدى القريب والبعيد.

وبالنسبة للأطفال الأكبر سناً يمكن مناقشة مايجري معهم وإقناعهم بأنهم في
مكان آمن وأن القصف أو القذائف لن تطالهم، وأن الأهل متخذين كافة الاحتياطات
لحمايتهم مع ضرورة عدم منعهم من البكاء أو السؤال عن ما يجري والحديث عنه، فمن
الضروري معرفة مايدور في تفكير الطفل وأن نترك العنان لمشاعره في هذه الأوقات حتى
لا تتراكم الصدمة، ويمكن تشجيعهم على الحديث بمبادرة من الأم أو الأب للتعبير عن
مشاعرهم مع اختيار الأسلوب والألفاظ التي يمكن للطفل استيعابها والتجاوب معها.

من المهم أيضاً أن يراقب الآباء تصرفاتهم ومحاولة المحافظة على الحالة
الطبيعية لهم وقوة التحمل وتلطيف الأجواء ليبثوا الثقة في الأطفال، وأن لا يتغير
أسلوب الحياة بشكل كبير وقدر المستطاع.

الزمن لا يشفي الصدمة بل يحولها إلى مزمنة لذلك وجب علينا عدم تركها للزمن.

شاهد أيضاً

القصف أسفر عن ضحايا - الدفاع المدني

مقتل عشرات العناصر من “داعش” بينهم بلجيكي بقصف للتحالف في دير الزور

قتل نحو 28 عنصراً من تنظيم “داعش” الإرهابي، وأصيب آخرون، اليوم السبت، نتيجة قصف جوي …

لوحات حديثة للسيارات في مدينة الباب بريف حلب

أعلن “المجلس المحلي في مدينة الباب” الواقعة في ريف حلب الشمالي الشرقي، عن إطلاق مبادرة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 − 3 =